قصة جديدة

لمحة نيوز

ميراث الوجع بقلم الكاتبة نرمين عادل همام
لما اطلقت من جوزي، عيلته جندوا ليا حيتان المحاماة في مصر، دكاترة في القانون مالهمش قلب، عشان يرموني أنا وبنتي اللي لسه لحمة حمرا في الشارع من غير مليم.. وفي يوم، ظهر غريب من عربية فخمة.. وغير مصيرنا للأبد.
بعد كام أسبوع من الطلاق، كنت بنبش وسط الكراكيب والأساس القديم ورا فيلا مهجورة في أطراف التجمع، لما وقفت فجأة عربية سوداء فخمة جنب الرصيف. الموتور هدي وصوته سكت. وبعدين الباب اتفتح. نزلت ست، كعب جزمتها خبط في الرصيف التراب بثقة واحدة عمرها ما شالت هم الجنيه اللي جاي هييجي منين.
قالت بهدوء أيوة.. أنتي نورا الشاذلي؟ أنا اتسمرت مكاني. كنت لسه ماسكة في إيدي حتة خشب مكسورة، والتراب مالي ضوافري، وريحة العفرة والكركيبة لازقة في لبسي. بصيت لها من فوق لتحت.. تايير أسود متفصل بالملي، وقار وهدوء ست مكانها المكاتب المكيفة والقصور، مش البيوت المهجورة والخرابات.
أيوة أنا، قلتها وصوتي طالع خشن ومشرخ. لو جاية عشان تطرديني، خدي اللي باقي.. أنا بس بشوف أي حاجة ينفع تتصلح وتتباع. مردتش عليا في ساعتها. فضلت تبص لي بس.. بصت لي بجد، كأنها بتقرأ اللي ورا وشي التعبان. للحظة، الوقت وقف بينا.
وبعدين قالت أنا اسمي المستشارة فريدة نصار.. المحامية المسؤولة عن تركة الحاجة فوزية الشاذلي. النفس اتكتم في صدري. جدتي! الست القوية اللي الكل بيعمل لها ألف حساب في العيلة.. وبيهابوها. نفس الست اللي رمت طوبتي وقفلت بابها في وشي من 12 سنة.
اسمي نورا الشاذلي. عندي اتنين وتلاتين سنة. وفي اليوم اللي حياتي اتشقلبت فيه، كنت واقفة ورا بيت مهجور، إيدي متوسخة بالتراب، وبنهج من السقعة في عز طوبة، ونفسي طالع دخان قدام وشي.
قبل تلات شهور، كنت لسه هانم.. زوجة راجل أعمال تقيل. أدهم الصيرفي. مطور عقاري كبير، ساكنة في فيلا كلها زجاج في الشيخ زايد، صورة مثالية لست المجتمع الراقي، وفلوس تخلي الناس تبوس إيد اللي يلبس بدل غالية ويقعد مع الكبار. كنت فاكرة إن الدنيا في إيدي. بيت.. جواز.. مستقبل مأمن.
وفجأة في عز الضهر، شفته في سريرنا مع السكرتيرة بتاعته. ومن اللحظة دي، طلاقي كان حكم إعدام. بارد.. سريع.. ومشرحش فيه رحمة. عيلته جابوا ماتادورات محاماة من اللي بيعرفوا إزاي يمحوا البني آدم بالثروة والتحايل. أنا مكنش ورايا جيش. لا عيلة تسند، ولا اسم يحمي. محدش حارب عشاني. كنت لوحدي، وبنتي الرضيعة على كتفي، وقلبي مكسور لدرجة إني مكنتش بسمع صوت تفكيري.
أخد كل حاجة.. الفيلا.. العربيات.. الحسابات.. المستوى اللي كنت عايشة فيه.

خرجت من باب البيت بشنطة هدوم واحدة، وبنتي، وآخر جملة رماها في وشي ولسه بترن في ودني وريني بقا يا نورا.. مين هيبص لواحدة مفلسة ومشردة ومعاها عيل، وبالتوفيق يا شاطرة.
عملت اللي بتعمله الستات لما الدنيا تضيق بيهم وملقوش حتة ناعمة يسندوا عليها. حاربت عشان أعيش. بدأت ألم العفش اللي الناس بترميه. كراسي مكسورة.. ترابيزات متجرحة.. دواليب قديمة الناس سيباها على الرصيف عشان موضتها قدمت أو اتكسرت وشكلها بقا وحش. أجرت مخزن صغير على قد حالي في أطراف المدينة، وبدأت أصلح اللي أقدر عليه بإيدي، وأعرضهم للبيع أونلاين. مكناش بنعيش في رفاهية.. ولا كان شكلنا حلو.. بس السبوبة دي جابت تمن اللبن. جابت تمن الحفاضات. خلتني أقدر أقف على رجلي أنا وبنتي.
وبعدين.. الست دي لاقتني. واقفة في السقعة ورا فيلا محجوز عليها، ريحتي عفرة وخشب قديم، وماسكة في إيدي بواقي حياة ناس تانية. مكنتش فاهمة هي جاية ليه.. ولا ليه اسم جدتي رجع فجأة لحياتي بعد السنين دي كلها. والأكيد إني مكنتش أعرف إن الست اللي عيلتي علمتني أخاف منها.. كانت سايبة وراها حاجة هتدمر كل اللي أدهم الصيرفي افتكر إنه خده مني!
القانون والجهات الرسمية مخذلوكيش بس، دول اتحولوا لسلاح في إيد أدهم الصيرفي وعيلته عشان يذبحوكي. بعد الخيانة، عيلة الصيرفي خلّوا الطلاق عامل زي خناقة شوارع بس ببدل غالية. جابوا حيتان من مكاتب المحاماة اللي في وسط البلد والزمالك، رجالة ببدل كحلي مكوية بالمسطرة، قعدوا يقولوا مصطلحات زي توزيع الأصول وحماية السيولة، وهما بيحاولوا يقنعوا المحكمة إن تعبك بعد الولادة، واكتئابك، وإنك ممعكيش مليم حالياً، يخليكي ست غير مسؤولة مالياً.
أدهم أخد فيلا الشيخ زايد. أخد العربيات، واللوحات، والحسابات اللي كنتِ فاكرة إنها حسابات مشتركة، والعضويات في النوادي الغالية، وحتى الفلوس اللي كان مخبيها ومكنتيش تعرفي عنها حاجة غير لما الوقت فات. هو خرج بجزمته اللي بتلمع وحلاقته الميري، وأنتي أخدتي بنتك الرضيعة، وأجرتي مخزن في عين شمس نمتي فيه ليلتين في السر قبل ما تلاقي أوضة وصالة في بولاق، وبدأتي تلمي العفش المكسور من الشوارع والخرابات.. لأن الحاجات المكسورة كانت هي الوحيدة اللي لسه مفهومة ومنطقية بالنسبة لك.
فريدة نصار بصت ناحية الكنبة الورانية في العربية البنتلي. كرسي أطفال كان باين من ورا الزجاج الفيميه. لثانية واحدة، غريزتك حركتك ومسكتِ حتة الخشب المكسورة اللي في إيدك بقوة أكبر، لأن الدنيا علمتك إن الناس اللي لسانهم حلو ولبسهم شيك دايماً عاوزين ينهشوا في الستات اللي ريحتهم كفاح.
فريدة لاحظت ده فوراً.
بنتك في أمان، قالتها بسرعة. المساعدة بتاعتي معاها في العربية، وده بس عشان التكييف شغال. أنتي كنتِ بعيدة عن الطريق أكتر ما كنت متوقعة، ومحبناش نسيب البنت في الساقعة.
أنتي كنتِ منيمة كاميليابنتكفي كرسي أطفال مستعمل ومعاها تلات بطاطين وآخر نص ببرونة، لأن النبش في الكراكيب بيبقى أسرع لما عينك بتبقى على الرصيف وعلى صناديق الزبالة في نفس الوقت. حقيقة إن الست دي اهتمت بموضوع التدفئة قبل ما تنطق بكلمة معاكي، لمست حتة غويطة في صدرك. ده مش ثقة لسه، بس ده أول احترام ليكي كأم تحسيه من شهور.
الجواب بيقول إيه؟ سألتيها.
فريدة مردتش. قربت خطوة، ومدت إيدها بالجواب وسابتك أنتي اللي تقرري تاخديه ولا لأ. صوابعك سابت أثر تراب على الورق الكريشة الغالي أول ما لمستيه. فتحتِ الجواب وأنتي واقفة ورا فيلا محجوز عليها في التجمع، والكراسي المكسورة تحت رجلك، وريحتك خشب قديم وعفار. الجواب كان صفحة واحدة. دي كانت أول قسوة في الموضوع. بعد 12 سنة من السكوت، وبعد ما جدتك فوزية الشاذلي مثلت إنها مسحتك من خريطة قلبك لأنك اتجوزتي راجل هي كانت بتقول عليه عينه جعانة وبيدور على المصلحة، بعتتلك صفحة واحدة. بس من تالت سطر، فهمتِ ليه فريدة المحامية ملخصتلكيش الكلام.
لو الجواب ده وصلك، الجواب بدأ كدة، يبقى أدهم عمل بالظبط اللي كنت عارفة إنه هيعمله في يوم من الأيام. هو متجوزكيش عشان بيحبك.. هو اتجوزك عشان كان فاكر إن الست الطيبة أسهل في السرقة من الست القوية. ضغطتِ على الورقة لدرجة إنها اتنت في إيدك.
افتكرتِ قصر العيلة في العجمي كله مرة واحدة. جدتك بعبايتها الكتان البيضاء وهي قاعدة في التراس والبحر قدامها. ريحة الياسمين والخشب الملمع. صوتها الواطي والحاد وهي بتقولك وأنتي عندك عشرين سنة إن أي راجل يسأل عن أرصدتك قبل ما يسأل عن اللي بيفرحك ده مش جاي يناسبك، ده جاي ينقب عن آثار. أنتي ساعتها قولتي عليها قاسية.. ومتسلطة.. وبتحب تتحكم في الكل. واتجوزتي أدهم بعدها بست شهور في فرح صغير وعناد أكبر بكتير من حكمتك.
هي مجتش الفرح. بعتت غويشة ذهب بتاعة جدتها ومعاها ورقة مكتوب فيها هتفضلي دايماً من دمي.. بس ده مش معناه إني هبارك ليكي على غلطاتك. كرهتيها سنين. وكرهتِ سكوتها أكتر. كرهتِ إن لما والدة أدهم كانت بتلقح كلام عن ستات العائلات القديمة اللي بيحبوا السيطرة، مكنش عندك رد غير الوجع. وأكتر حاجة وجعتك في سرك، إنك كنتِ خايفة تطلع فوزية عندها حق.
الجواب كمل أنا مبعتدش عنك عشان مبقتش أحبك. أنا بعدت لأن اللحظة اللي كان هيعرف فيها أنا أملك
إيه، كان هيبني حياته كلها عشان يوصل لفلوسي. البعد قدام الناس كان هو الحيطة الوحيدة اللي قدرت أبنيها بعد ما أنتي رفضتِ تبني أي حيطة تانية. كنت بتمنى أكون غلطانة فيه.. بس للأسف طلعت صح.
عينك زغللت. فريدة استنت لحد ما قريتِ الباقي. فوزية كاتبة إنها كانت مراقباكي من بعيد.. أبعد ما تتخيلي وأقرب مما تتصوري. شافت صورك في المجلات، وعزومات الخير، وصورك في حفلات المجتمع الراقي وأنتي واقفة بفساتين كوتور غالية جنب أدهم وشكلك هادي وراقي، بينما جدتك مكنتش شايفه غير راجل بيتعلم بالراحة إيه الوزن الحقيقي لاسم عيلتك. وبعدين جه السطر الأخير مقدرتش أمنعك من جوازك منه.. بس أقدر أنقذك من اللي عمله فيكي بعد الجواز.
الورقة نزلت من إيدك وجسمك كله بدأ يتنفض. مش نفضة رقيقة زي بطلات الأفلام، لا.. دي كانت نفضة الست اللي قهرها وغضبها اتقابلوا في عرق واحد.
هي سابتلي إيه؟ سألتي بصوت مهزوز. فريدة بصت في عينك وقالت سابتلك كل اللي يهم.. وسابتلك اللي يخلي أدهم الصيرفي يندم إنه في يوم نطق اسمك بثقة.
المفروض متصدقيش جملة زي دي، بس الست اللي اتفرمت زي ما أنتي اتفرمتِ، بتعرف تميز الحقيقة لما تظهر. سألتيها الوصية هتتقري فين؟ في بيت العيلة بالعجمي، قالت فريدة. النهارده العصر.
أنتي بصتِ لنفسك.. بنطلون جينز بالة، جوانتي شغل رجالي، وسويت شيرت مطوش بزيت خشب. التراب مالي ضوافرك، وشعرك مشفش كوافير من أيام الحمل. فكرة إنك ترجعي قصر جدتك بالمنظر ده كانت مستحيلة. فريدة بصت للعربية تاني. إحنا جبنا هدوم. طبعاً جابوا. مش عشان ده فيلم سندريلا، ولا عشان الأغنياء بيحبوا يلبسوا الغلابة، لا.. عشان جدتك فوزية الشاذلي كانت مرتبة كل تفصيلة. كانت بتؤمن إن لو فيه حاجة تستحق تتعمل، يبقى لازم تترتب لحد أصغر اللوجستيات اللي تمنع الإحالة أو الكسرة. الفكرة دي خلت زورك يوجعك.
الطريق للاسكندرية كان كأنك بتعدي لحياة تانية أنتي كنتِ سيبتيها وفقدتِ الحق إنك توحشك. كاميليا نامت نص الطريق، ومساعدة فريدة اللي اسمها نعمة أكلتها ببرونة بحرفية ست عارفة بتعمل إيه. فريدة قعدت تشرحلك الموقف في الطريق. فوزية اتوفت من ست أسابيع بعد تعب خبيث خبته عن الكل. التركة كانت متجمدة لحد ما تخلص إجراءات قانونية معينة. قرايبك كانوا فاكرين إن عزبة الشاذلي هتتوزع عليهم ولاد عمك اللي في مصر الجديدة، وعمتك اللي في جاردن سيتي، وابن عمتك اللي في دبي وبيتعامل مع الفلوس كأنها حق مكتسب. محدش كان يتوقع إن اسمك يكون ليه وجود أصلاً.
وصلتوا القصر. نفس الرخام الأبيض، والشبابيك الخشب السوداء، وشجر البرتقال
المتهذب بالمسطرة.
 

تم نسخ الرابط