قصة جديدة
لما الأم تتحول لعبء بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
ماتخيلتش أبداً إن يوم عيد ميلادي الاتنين وسبعين، بدل ما أحتفل وسط عيلتي، هكون بنقل حاجتي ل بدروم ضلمة وريحتة رطوبة. بنتي سامية كانت بتهرب من عيني وهي شايلة كرتونة من كراكيب حياتي ونازلة بيها السلم الضيق، وقالت بصوت واطي
الوضع ده مؤقت بس يا ماما.. ماتقلقيش.
الهواء تحت كان بيخنق، ريحة العفن والكمكمة لفت حوليّ كأنها حضن بارد مش طيقاه. نبيل جوزها كان بيبص في ساعته بزهق، كأن وجودي وحاجتي عطلة لمصالحه المهمة، وزوّد على كلامها
والوضع ده هيستمر لحد ما نلاقي حل تاني عملي.
نبيل ماحاولش حتى يداري ضيقه طول الصبحية. وقفت أتفرج عليهم وأنا ساكتة، وهم بيختصروا أربعين سنة من عمري في كام كرتونة ملزوقة.. ذكرياتي كلها بقت عبارة عن ملصقات مكتوب عليها كتب، مطبخ، هدوم. خمس سنين فاتوا على وفاة إبراهيم جوزي.. اللي قالوا إنه مات بسكتة قلبية. وسنتين من ساعة ما سامية ونبيل بدأوا يحطوا إيدهم في حساباتي المالية بحجة المساعدة، ودلوقتي بيرموني في قبو بيتي.. البيت اللي دفعنا تمنه دم قلبنا أنا وإبراهيم.
سامية حطت كرتونة الكتب وقالت للمرة المليون
إحنا قلقانين عليكي يا ماما.. النسيان كتر، والسلم خطر على حد في حالتك.
حالة إيه؟ أنا عمري ما فوتت ميعاد، ولا نسيت عيد ميلاد حد فيهم، ولا حتى غلطت في تفصيلة تخص حياتهم. بس هم فضلوا يكرروا الكلام لحد ما سامية قالت لي في مرة ذاكرتك مش زي الأول، نسيتي تطفي البوتاجاز يا ماما، فاكرة؟.. لدرجة إني بدأت أشك في نفسي.. هل فعلاً كبرت وخرفت؟
نبيل قال بنبرة كأنه بيمنّ عليا
دار المسنين هتكلف ثروة، القبو حل أوفر وعملي.
التهديد جه إمبارح.. يا إما البدروم، يا إما
هختار البدروم.
ودلوقتي أنا قاعدة على حرف سرير فرداني بيهبط من النص، وحوليّ كراتين، وصوت طنين سخان المية مابيفصلش، ومن الشباك الصغير اللي فوق بشوف بس رجلين الناس وهي ماشية على الرصيف. سامية ندهت وهي طالعة السلم
هنحضر العشا كمان شوية.
الباب اتقفل.. وبقيت لوحدي.
رجعت من برا وأنا بجر رجلي بالعافية، ومعايا روشتة للالتهاب الرئوي اللي جالي من رطوبة القبو. أول ما دخلت، حسيت إن فيه حاجة غلط.. حاجتي القليلة كانت متبعثرة، وعلبة المجوهرات الخشب اللي فيها لولي أمي وخاتم خطوبة جدتي كانت فاضية! لما واجهت سامية، قالت لي بمنتهى البجاحة والتمثيل
شيلنا حاجتك الغالية في مكان أمان.. إنتي بقيتي بتنسي وممكن تضيعيهم.
نبيل كان وراها بيلعب في موبايله وبيوري لجارنا صور المركب اليخت الجديد اللي اشتراه، وسامية كملت
إحنا قلقانين عليكي قوي.. إزاي تروحي المستشفى لوحدك من غير ما تقولي لنا؟
ساعتها فيه سد انهار جوايا، وقلت بصوت قوي ماطلعتوش من شهور
ليلى حفيدتي هي اللي طلبت لي التاكسي وادتني من مصروفها.
وش سامية اسودّ، وقالت إن ليلى خيالها واسع وبتدعي إني متماسكة، وعشان كدة لازم يقللوا زياراتها ليا. وفي الليلة دي، وأنا وحيدة في سجني، طلعت موبايل ليلى اللي كانت مخبياه معايا، ومالقيتش حد أتصل بيه. عالمي كله بقى محصور بين جدران رطبة ولطف متقطع من أحفادي. لحد ما الباب خبط خبطة خفيفة، ودخل عمر حفيدي 14 سنة ومعاه ساندوتش وكوباية لبن. همس بخوف
ماتقوليش لماما.. إنتي كويسة بجد يا تيتة؟
بصيت للولد ده وعرفت إنه هو وليلى حلفائي الوحيدين. قلت له بصوت واطيبقلم الكاتبه نرمين عادل همام
لأ يا عمر.. مش كويسة. هز راسه كأنه فاهم
بعد أسبوعين، عمر كان بيهمس لي قدام اللابتوب بتاعه بصي على ده.. كان بيوريني سجلات مالية قديمة. عمر اكتشف إنهم بيخبوا جوابات البنك وكشوف الحسابات. إيدي اترعشت وأنا بشوف السجل.. معاشي اللي هو 4800 بينزل بانتظام في حساب ماشفتوش من سنة ونصف، من ساعة ما سامية أخدت مني توكيل رسمي وأنا في المستشفى.
عمر شاور على سحوبات وقال
بصي.. السحبة دي تمن المركب، ودي اشتراك النادي بتاعهم.
تحويشة عمري كانت بتتسرق بانتظام.. بس فيه مبلغ ضخم لفت نظري من خمس سنين مليون ونصف . سألت عمر بذهول، فبحث بسرعة وطلع مستندات تانية وقال
دي بوليصة تأمين حياة جدي إبراهيم.
الدم هرب من وشي. بوليصة إبراهيم كانت ب 500 ألف بس، وماشفتش منها مليم. عمر كمل بخوف
ليلى لقت حاجة في مكتب ماما.. ملف أصفر فيه إيميلات مع مكتب عقارات.. هما بيخططوا يبيعوا البيت يا تيتة.. بيتك إنتي!
قرأت الورق برعب.. كانوا بيدعوا إني تنازلت عن الملكية وإن حالتي العقلية ساءت، والبيع كمان شهرين. ولقيت بروشور لدار مسنين اسمها حدائق الغروب، وميعاد دخولي فيها هو نفس ميعاد سفرهم لأوروبا! عمر وراني كشف قرض ب 15000 لتكاليف رحلتهم لإيطاليا.. مسحوب باسمي أنا!
صدري ضاق، بس المرة دي من الغضب مش من الخوف. نار ولعت جوايا خلتني أقرر إني مش هسكت. عمر كمل وصوته بيوطى أكتر
وفيه حاجة تانية لازم تشوفيها..
فتح إيميلات من خمس سنين.. الغرفة لفت بيا وأنا بقرأ. إبراهيم جوزي مامتش بسكتة قلبية.. هو عمل حادثة ودخل في غيبوبة، وسامية هي اللي خدت قرار إنها تفصل أجهزة الإنعاش عنه، عكس نصيحة الدكاترة اللي قالوا فيه أمل يشفى! سامية استخدمت التوكيل
عمر بص لي بجدية
كانوا محتاجين الوفاة تبان طبيعية عشان الفلوس.
غمضت عيني، حسيت بخيانة بتسحق صدري. إبراهيم مخدش فرصة يعيش عشان الفلوس. عمر سأل بقلق إنتي كويسة يا تيتة؟ فتحت عيني وبصيت للسجلات.. سنين من التلاعب عشان يصوروني إني خرفت وبقيت عبء. قلت بهدوء
لأ مش كويسة.. بس هبقى.
طلبت من عمر يشوف حد نثق فيه، فاقترح الأستاذ حسن. الأستاذ حسن صديقي القديم من أيام الكلية، كان محاسب وبقى مدرس حاسوب قبل ما يطلع معاش. سامية كانت بتعتبره صديق ممل لماما وما بتهتمش بيه. قلت لعمر
هات رقمه من غير ما حد يحس.. الموضوع خطر علينا كلنا، بس الغالب الخطر هيكون عليهم هم.
ريحة الأكل كانت مالية المطبخ وأنا بمسح الترابيزات.. ده كان شغلي اللي اتفرض عليا نضافة ومسح مقابل إني أطلع من القبو شوية. سمعت صوت سامية وليلى بيتخانقوا في الصالة. ليلى كانت بتقول
ماينفعش نرميها كدة في أي دار! سامية زعقت وطي صوتك! جدتك مابقتش قادرة تاخد قرار، وإحنا لازم ناخد قرارات صعبة عشان نحمي الكبار بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
جمدت في مكاني وأنا بسمع. ليلى دافعت عني وقالت إني كويسة، فسامية ردت بتمثيل
ده تظاهر بالقوة يا ليلى، مرضى الخرف بيقدروا يتمالكوا نفسهم وقت قليل وبعدين ينهاروا لما يبقوا لوحدهم.
ضغطت على سناني.. كدب وتلاعب حتى مع ولادها. ليلى سألتها ليه نبيع البيت وهي بتحبه؟ نبيل دخل في الكلام وقال مابقاش بيتها يا ليلى.. ده بيتنا. جدتك وقعت على التنازل السنة اللي فاتت.
كداب.. أنا ماوقعتش على حاجة. سامية بدأت تقنع ليلى بجمال