قصة جديدة
غسلتي دماغهم.
ليلى قالت نجيب التسجيلات ونبين الحقيقة. دلال حذرتهم إن تسجيل القصر لمكالمات أهاليهم فيها مشكلة قانونية، وعمر سأل بإحباط يعني هيهربوا؟ دلال طمنته الأدلة المالية لوحدها كفاية توديهم في داهية.
في الجنينةكنت واقفة عند الورد، وسامية جت وقفت جنبي، ولأول مرة تحاول تتكلم معايا بهدوء مصطنع الورد جميل.. بابا كان إيده خضرا. قلت لها أنا اللي زرعت الورد.. أبوكي هو اللي بنى السور. قالت بتمثيل يا ماما.. الأمور خرجت عن السيطرة، إحنا عيلة، بلاش المحاكم والفضيحة. سألتها بتقترحي إيه؟
عينها لمعت نبدأ من جديد.. أنا ونبيل نسيب البيت ونعمل خطة نسدد الفلوس. قلت لها والتزوير؟ وقرارات إبراهيم الطبية؟ وشها اتخشب ده كان سوء تفاهم.. والفضيحة هتدمرنا كلنا. قلت لها ممكن الفضيحة دي تحمي عائلات تانية من اللي أنا شفته.
نزلت لمستوايا وهمست فكري في ليلى وعمر.. عاوزه يشوفوا أبوهم وأمهم بيتسحلوا في المحاكم؟ بصيت في وش بنتي.. اللي حبيتها حب ملوش شروط.. وسألت نفسي إمتى بقيتي الشخص ده؟
قلت لها يا سامية.. أنا فكرت كتير وأنا في البدروم.. كنت دايماً بخلق لك أعذار من وإنتي مراهقة، وأقول بكرة تكبر وتبقى كويسة.. بس اللي حصل مش عدل. زعقت ده مش عدل! قلت لها بجمود اللي مش عدل هو التلاعب بأم مسنة، وعزلها، والشك في عقلها، وسرقة بيتها.
صرخت وفقدت قناعها تماماً إحنا كنا بنحاول نحميكي! سألتها ببرود تحموني من إيه؟ من فلوسي؟ ولا من الحقيقة عن موت إبراهيم؟ قامت وهي بتغلي واضح إنك لسه مخرفة وانتقامية.. نتقابل في المحكمة.
بالليل، عمر وراني إيميل من نبيل لسمسار لازم نبيع البيت بسرعة مهما كلف الأمر.. المصاريف القانونية عالية وعاوزين سيولة نهرب بيها. كانوا بيحاولوا يبيعوا بيتي رغم قرار المحكمة!
يوم الجلسة القاعة كانت زحمة.. مقال سعاد عمل ضجة كبيرة. سامية ونبيل جابوا محامي تقيل أوي المرة دي. دلال مسكت إيدي وقالت مستعدة؟ هزيت راسي وبصيت للقاعة.. حسن كان ورايا، ووجوده طمني. ليلى وعمر مكنوش موجودين عشان دلال فضلت إنهم مايشهدوش إلا للضرورة.
القاضية دخلت.. ودلال بدأت تعرض القضية بذكاء.. حكت عن الاستغلال، والسرقة، والمخالفات
طول الوقت كنت ببص لسامية.. مفيش ذرة ندم في عينها. لما جه دوري، قمت وقفت بخطوات ثابتة.. لابسة بدلة زرقاء شيك، فاردة ضهري، وعيني قوية. مابقيتش الأم المسنة المشوشة.. بقيت مريم المنصورة.
دلال بدأت تسألني.. وكنت بجاوب بكل ثبات، وبدأت أوصف اللحظة اللي حسيت فيها بكل ده..
وقفت قدام القاضية، ولمدة تلاتين دقيقة، حكيت بالتفصيل عن العزلة اللي اتفرضت عليا، وإزاي ثقتي في نفسي اتهزت بالتدريج، والقيود اللي خنقت حركتي وفلوسي. سألتني دلال إمتى نقلتي البدروم القبو؟ رديت بجمود يوم 12 ديسمبر السنة اللي فاتت.. في يوم عيد ميلادي الاتنين وسبعين.
القاعة كلها همست بصدمة.
وهل ده كان باختيارك؟
اتخيرت بين البدروم وبين دار مسنين، وبما إني عرفت إن الدار اللي اختاروها مستواها يوجع القلب، اخترت بدروم بيتي.
وإيه كانت ظروفك هناك؟
رطوبة وبرد، والسقف كان بيخر مية وقت المطرة، وجالي التهاب رئوي قعدت بسببه في المستشفى.
محامي سامية حاول يعترض كتير، بس القاضية حياة سكتته تماماً وسمحت لي أكمل. لما جه الاستجواب بتاعه، بدأ بنبرة فيها تعالي مش صحيح يا مدام مريم إنك كنتِ بتنسي كتير السنين اللي فاتت؟ رديت بحزم لأ.. الصحيح إن بنتي وجوزها فضلوا يكرروا على ودني إني بنسى لحد ما بدأت أصدق وأشك في نفسي.. بس التقرير الطبي المستقل بيقول إني زي الفل.
حاول يزنقني في موضوع التوكيل الرسمي، فقلت له إني وقعته وأنا تحت تأثير أدوية قوية في المستشفى وماحدش قالي إن ده توكيل. وأخيراً، لعب ورقته الأخيرة مش دافعك الحقيقي هو الانتقام والغيرة من نجاح بنتك؟ فكرت ثانية وقلت دافعي هو العدالة.. لنفسي ولجوزي اللي حياته كانت تمن لمكاسبهم، ولأحفادي اللي لازم يعرفوا إن الظلم ليه تمن مهما كان اللي عمله.
لما قعدت، حسن طبطب على كتفي. وبعد الغداء، دخلت المفاجأة اللي قلبت الموازين الدكتور كمال، طبيب الأعصاب اللي عالج إبراهيم. وش سامية شحب وبقى زي الأموات. الدكتور كمال شهد إن إبراهيم كان فيه أمل كبير في شفائه، وإنه اتفاجئ لما سامية قررت
بعد الجلسة وفي الاستراحة، سامية واجهتني لوحدها لسه فيه وقت نوقف كل ده قبل الحكم. بصيت في وشها، كنت بدور على ذرة ندم.. مالقيتش. قلت لها فات الأوان من اللحظة اللي قررتِ فيها إن حياة أبوكي تمنها بوليصة تأمين. انهارت وقالت إنتي ماتعرفيش الديون اللي كانت علينا! شغل نبيل كان بيفشل! قلت لها وده يبرر اللي حصل؟ البدروم؟ التخطيط لرميي في حدائق الغروب؟ سكتت وشرّ الغل بان في عينيها. مشيت وأنا حاسة ب خفة غريبة.. مهما كان الحكم، أنا استرديت صوتي وكرامتي.
بعد ست شهور من الحكم
البيت بقى أهدى بكتير. سامية ونبيل سابوا البيت كشرط لفترة الاختبار. تجنبوا السجن مقابل رد كل الملاليم اللي اتسرقت، و ساعة خدمة مجتمعية، وعلاج نفسي إلزامي. أما قضية إبراهيم، فالتحقيق لسه مستمر فيها.
قاعدة في جنينتي، الشمس دافية، وحسن جه ومعاه سلة غداء وشاي مثلج بقلم الكاتبه نرمين عادل همام
الورد بقى يجنن يا مريم.. رجعتِ الروح للجنينة. فعلاً، الورد فتح، والجنينة اللي زرعتها مع ليلى بقت كلها خضرة. سألني حسن بحذر فيه أخبار عن سامية؟ هزيت راسي الدكتورة بتاعتها كلمتني.. بتقول إن سامية عاوزة تصلح اللي أفسدته وعاوزة تتواصل معايا. سألني هتوافقي؟ قلت له بصدق مش عارفة.. جزء بيقول لأ، وجزء بيقول دي بنتي. حط إيده على إيدي ماتستعجليش.. الحدود اللي حطيتيها صحية جداً.
فجأة، عمر ظهر وقال تيتا.. ماما برا. قلبي دق. عمر كمل قالت مش هتقعد لو مش عاوزة، بس عاوزه تديكي حاجة. سامية دخلت، شكلها اتغير.. بقت أرفع، ولابسة هدوم بسيطة.
شكراً إنك وافقتي تشوفييني يا ماما.. لقيت دي في المخزن وكان لازم ترجع لك. فتحت الطرد.. كانت ساعة إبراهيم القديمة. سامية اعترفت إنها خدتها بعد الجنازة عشان كانت غبانة منه إنه سابهم.
قالت لي إنها في علاج نفسي، وإنها انفصلت عن نبيل وبدأوا إجراءات الطلاق.
المعالج بيساعدني أفهم إن عندي سمات نرجسية بسبب انعدام أمان من طفولتي.. كنت بغير من حبك وحب بابا لبعض. سكتت.. افتكرت تمردها وهي مراهقة. هل فعلاً فاتني حاجة في تربيتها؟ كملت سامية إنها اشتغلت مساعدة إدارية في كلية، مرتب بسيط بس
قلت لها بحذر أنا مصدقة إنك آسفة دلوقتي.. بس الثقة بترجع بالأفعال مش بالكلام. طلبت تكتب لي رسايل كجزء من علاجها، ووافقت بس قلت لها مش شرط أرد دلوقتي.. أنا محتاجة وقت.
عيد ميلادي التلاتة وسبعين الصبح كان مشرق.. فات سنة على يوم
البدروم المشؤوم. بصيت في المراية.. مابقيتش الست الخوافة. قصيت شعري قصة شيك، ورجعت للونه الفضي الطبيعي. وقفتي مفرودة، ولبسي شيك بيعبر عني. ليلى ندهت تيتا.. الناس بدأت توصل.
البيت بقى ملكي تاني. حسن استقبل الضيوف، وعمر رتب الهدايا. سعاد الصحفية جت، وزملاء المكتبة، والمحامية دلال، وحتى الدكتور سمير جه يشوف مريم وهي بتزهر من جديد. حسن ناولني عصير وقال البيت بقى جميل يا مريم.. وإنتي كمان. بعد ما غيرت ديكور البيت بقطع دافئة، ورجعت أرسم لوحاتي اللي نسيتها سنين.
سعاد طلبت مني كلمة. قلت
من سنة، كنت فاكرة إني ماليش صوت ولا مستقبل.. والنهارده، أنا مش بس بحتفل بعيد ميلادي، أنا بحتفل باستعادة بيتي، وفلوسي، وكرامتي.. والأهم إحساسي بنفسي. رفعت كأسي لليلى وعمر نخب أحفادي اللي أثبتوا لي إن شجاعتي كانت مدفونة بس مانتهتش.. ونخب حسن اللي كان شريان حياتي.
في المطبخ، ليلى قالت لي إن سامية برا وعاوزه تديني هدية. خرجت لها.. سامية كانت قاعدة على السلم ومعاها دفتر يوميات عملته بنفسها وزينته بورد مجفف.
عملته في مجموعة العلاج بالفنون.. والورد ده من الطريق اللي بابا كان بيحبه. قلت لها جميل.. شكراً.
ينفع تقعدي تاكلي حتة كيك؟ مش غفران.. بس خطوة صغيرة. دخلت سامية، أكلت حتة كيك ومشت وهي محترمة الحدود اللي حطيتها.
قعدت أنا وحسن على الأرجوحة في البلكونة.
إنتي بخير يا مريم؟
مش ملتئمة تماماً.. بس قلبي مفتوح للتغيير. أعظم انتصار مكنش في المحكمة.. كان إني لقيت نفسي تاني. ضغط على إيدي وقال كانت موجودة دايما.. مستنية اللحظة.
تحت سكون الليل، عرفت إني مابقيتش سجينة البدروم.. بقيت سيدة منزلي. مابقيتش ضحية.. بقيت امرأة عرفت قيمتها وحطت
تمت بقلمي نرمين عادل همام