على درج الخذلان بقلم الكاتبه نرمين عادل همام حصريا

لمحة نيوز

على درج الخذلان بقلم الكاتبه نرمين عادل همام حصريا لموقع لمحه
بسم الله والصلاه والسلام على اشرف الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلام 
خيرتني ابنتي بين العيش في القبو أو الذهاب إلى دار المسنين بعد أربعين عاما
قضيتها في دفع فواتيرها ورعاية شؤونها 
لكن بعد ثلاثة أشهر فقط
نال انتقامي شكلا لم يتخيله أحد 
وكنت أستمتع بكل لحظة فيه 
وأنتم أيضا ستشعرون بذلك.
لم أكن أتخيل أبدا
أن أقضي يوم عيد ميلادي الثاني والسبعين
وأنا أنقل أغراضي إلى قبو مظلم.
قالت سامية وهي تتجنب النظر في عيني 
تحمل صندوقا من ممتلكاتي وتنزل به عبر الدرج الضيق 
الوضع مؤقت بس يا أمي.
كان الهواء هناك يلتف حولي
برائحة رطوبة وعفن
كعناق غير مرغوب فيه.
وأضاف نبيل وهو ينظر في ساعته بنفاد صبر والوضع ده هيستمر لحد ما نلاقي حل تاني.
لم يكلف زوج ابنتي نفسه عناء إخفاء انزعاجه طوال الصباح.
راقبتهم بصمت
وهم يختصرون حياتي في بضعة صناديق.
أربعون عاما من الذكريات
ضغطت وألصقت عليها ملصقات.
خمس سنوات مرت منذ وفاة زوجي إبراهيم 
الذي قيل إنه مات بنوبة قلبية 
وعامان منذ بدأت سامية ونبيل في مساعدتي في شؤوني المالية 
والآن يتم نقلي إلى قبو منزلي 
المنزل الذي دفعت ثمنه بدم قلبي.
قالت سامية للمرة المئة وهي تضع صندوقا كتب عليه كتب 
إحنا بس قلقانين على هفوات ذاكرتك السلم خطر على حد في حالتك.
أي حالة
لم أفوت موعدا قط 
لم أنس عيد ميلاد أحد 
لم أخطئ في تفصيل واحد من حياة عائلتي.
لكنهم كرروا الأمر
حتى قالت سامية 
ذاكرتك مش زي الأول يا ماما فاكرة لما نسيت تطفي البوتاجاز
حتى بدأت أحيانا أتساءل 
هل هم على حق
قال نبيل بنبرة توحي بأن علي أن أكون ممتنة 
دار المسنين هتكلف ثروة القبو حل عملي أكتر.
جاء الإنذار النهائي بالأمس 
إما القبو
أو دار الأمل.
همست بصوت مرتجف 
هختار القبو.
والآن أجلس على حافة سرير مفرد يهبط في المنتصف 
محاطة بصناديق كرتونية 
وطنين سخان المياه لا يتوقف 
ومن النافذة الصغيرة أرى أقدام المارة على الرصيف.
نادت سامية من أعلى وهي تصعد 
هنحضر العشا بعد شوية.
أغلق الباب.
وأصبحت وحدي.
عدت وأنا أجر قدمي نزولا إلى القبو ومعي وصفة طبية للالتهاب الرئوي عرفت على الفور أن هناك خطبا ما فقد تم العبث بممتلكاتي القليلة وكان صندوق المجوهرات الخشبي الذي يحتوي على لؤلؤ أمي وخاتم خطوبة جدتي فارغا. أخبرتني سامية عندما واجهتها وصوتها يقطر قلقا زائفا أنها وضعت مقتنياتي الثمينة في مكان آمن لأنني في حالتي المشوشة قد أضيعها وخلفها كان نبيل يقلب في هاتفه ويستعرض صور قاربهم الجديد لجارنا بينما تابعت سامية قائلة 
إحنا قلقانين عليك قوي يا أمي إزاي تروحي المستشفى من غير ما تقولي لحد
شعرت بشيء ينكسر بداخلي سدا ينهار فقلت بصوت أقوى مما

كان عليه منذ أشهر 
ليلى هي اللي طلبت التاكسي وادتني مصروفها.
أظلم وجه سامية وقالت إن ليلى عندها خيال واسع زي ما بتدعي إنني متماسكة تماما وعشان كده اضطروا يحدوا من زياراتها لي. وفي تلك الليلة وحيدة في سجن القبو الخاص بي أخرجت هاتف ليلى المخفي وحدقت فيه ولم يكن لدي أحد أتصل به فتقلص عالمي إلى هذه الجدران الرطبة واللطف المتقطع من أحفادي حتى جاء طرق خفيف على بابي فانزلق عمر حفيدي البالغ من العمر أربعة عشر عاما ومعه شطيرة وكوب حليب همس وعيناه تتحركان بعصبية نحو الباب قائلا 
ما تقوليش لماما.
ثم سألني 
إنت كويسة بجد يا تيتة
نظرت إلى هذا الطفل وأدركت فجأة أنه قد يكون حليفي الوحيد بجانب ليلى فأجبت بصدق وصوتي بالكاد مسموع 
لأ مش كويسة.
أومأ ببطء مستوعبا أكثر مما ينبغي لطفل في عمره وقال 
يمكن أقدر أساعدك وأنا شايف إنك هتبقي بخير يوم من الأيام.
مر أسبوعان منذ عرض مساعدته والآن كان حفيدي يهمس وهو يشير إلى شاشة حاسوبه المحمول قائلا 
بصي على ده.
وكان يريني كيفية الوصول إلى سجلات مالية قديمة.
لم أكن أعرف بوجود تلك السجلات حتى جلسنا متجمعين في غرفة القبو بينما كانت سامية ونبيل يحضران معرض القوارب. شرح لي عمر أنه وجد مكان إخفائهم للبريد وأنهم كانوا يخفون كشوف الحسابات البنكية فارتجفت يدي وأنا أحدق في السجل الرقمي كان راتبي التقاعدي البالغ 2800 ريال يتدفق باستمرار إلى حساب لم أره منذ ثمانية عشر شهرا منذ أن حصلت سامية على توكيل رسمي أثناء دخولي المستشفى بسبب الالتهاب الرئوي وكان هذا مختلفا عن التوكيل الطبي الذي حصلت عليه قبل خمس سنوات عندما تعرض إبراهيم للحادث ودخلت أنا المستشفى بسبب الإجهاد. أشار عمر إلى سلسلة من المعاملات وقال 
بصي المسحوبات دي دفعة القارب ودي عضوية النادي بتاعهم.
كانت مدخرات عمري تستنزف بشكل منهجي لكن شيئا آخر لفت انتباهي إيداع ضخم قبل خمس سنوات. سألت بصوت هامس عن ماهية هذا المبلغ البالغ مليونا وخمسمائة ألف ريال فكتب عمر بسرعة وسحب مزيدا من المستندات وقال 
دي دفعة التأمين تأمين حياة جدي.
شعرت بالدم يهرب من وجهي كانت بوليصة إبراهيم بمبلغ خمسمائة ألف ريال فقط ولم أر قرشا واحدا منها فقال عمر وهو يلقي نظرة عصبية على الباب 
لسه في أكتر ليلى لقت حاجة في مكتب أمي.
ثم أخرج ملفا أصفر من حقيبته كان بداخله نسخ مطبوعة من رسائل بريد إلكتروني بين سامية ووكيل عقارات وقال 
هما بيخططوا يبيعوا البيت يا جدتي بيتك.
مسحت المراسلات برعب متزايد كانوا يدعون أنني نقلت الملكية إليهم وأن حالتي ساءت وكانت هناك إشارات إلى وثائق مزورة يتم إعدادها وقال عمر إن موعد البيع النهائي بعد شهرين ثم أشار إلى سلسلة رسائل أخرى حيث تم إرفاق كتيب لمنشأة تدعى حدائق الغروب مع وضع دائرة حول تاريخ القبول الذي يتزامن تماما مع عطلتهم الأوروبية المخطط لها
وأضاف وهو يريني كشف قرض 
لقيت ده لما بابا طلب مني أطبع مسار رحلتهم 15000 لإيطاليا اتسحبوا باسمك.
ضاق صدري لا من الخوف هذه المرة بل من الغضب نار بطيئة الاشتعال عززت عزمي بدلا من أن تشلني فقال عمر وصوته ينخفض أكثر 
وفيه حاجة تانية لازم تشوفيها.
وسحب سلسلة من رسائل البريد الإلكتروني من قبل خمس سنوات وبينما كنت أقرأ بدا أن الغرفة تميل من حولي لم يمت إبراهيم بنوبة قلبية بل تعرض لحادث سيارة ودخل في غيبوبة واتخذت سامية قرار إنهاء أجهزة الإنعاش ضد النصيحة الطبية التي اقترحت احتمالية الشفاء وكانت قد استخدمت التوكيل الطبي الذي حصلت عليه عندما كنت في المستشفى بسبب الإجهاد بعد الحادثة. شهقت وأنا أمسك بحافة المكتب متسائلة لماذا فجاءت الإجابة المقززة كانت بوليصة تأمين حياة إبراهيم تحتوي على بند تعويض مضاعف ثلاث مرات في حالة الوفاة الطبيعية أي مليونا وخمسمائة ألف ريال بدلا من خمسمائة ألف في حال الحادث أموال مولت أسلوب حياتهم ومشاريعهم التجارية الفاشلة وتجديدات منزلهم 
قال عمر بوجهه الشاب الذي بدا أكبر من سنواته بجدية 
هما كانوا محتاجين إن الوفاة تبقى طبيعية.
أغمضت عيني وشعرت بوطأة هذه الخيانة تسحق صدري. لم يكن الأمر مجرد استغلال مالي زوجي إبراهيم لم يعط فرصة للقتال أو للشفاء. سأل عمر بقلق 
إنت كويسة يا جدتي
بقلمي نرمين عادل همام
فتحت عيني ولم أكن أرى المستندات أمامي فحسب بل سنوات من التلاعب والعزلة التدريجية والاقتراحات المتكررة بتدهور عقلي والبناء الدقيق لرواية أنني غير كفؤة وعبء عليهم. قلت بهدوء 
لا مش كويسة بس هبقى.
مددت يدي لهاتف ليلى المخفي وسألت عمر إن كان هناك أي شخص يعتقد أنه قد يساعدنا شخص لا يشك فيه والداه. فكر للحظة ثم قال 
أستاذ الحاسوب الأستاذ حسن فاكرة متقاعد دلوقتي بس كان صاحبك وصاحب جدي.
قلت 
الأستاذ حسن آه طبعا صديقي القديم من أيام الكلية اللي بقى مدرس حاسوب بعد ما اتقاعد من المحاسبة.
كانت سامية قد تجاهلته واعتبرته أحد أصدقاء أمها المملين منذ سنوات. سألت عمر إن كان يستطيع الحصول على رقمه دون أن يعرف أحد فأومأ برأسه وحل التصميم محل الخوف على وجهه الصغير. حذرته قائلة 
لازم نكون حذرين أمك ما ينفعش تعرف إحنا بنعمل إيه الموضوع ممكن يبقى خطر.
سأل عمر 
خطر على مين
التقيت بعينيه بثبات وقلت 
علينا كلنا بس في الغالب عليهم.
فاحت رائحة طعام الغذاء الدسمة من المطبخ وبينما كنت أمسح الطاولات وكان هذا واجبي المحدد التنظيف بعد الوجبات التي لم أدع للانضمام إليها كانت الامتيازات الصغيرة لمغادرة مسكني في القبو خاضعة لسيطرة دقيقة من قبل سامية ونبيل. سمعت أصواتا من غرفة الطعام كانت سامية وليلى في نقاش محتدم. كان صوت ليلى متوترا وهي تقول 
ما ينفعش نرميها كده في أي منشأة!
فصاحت سامية 
وطي صوتك! جدتك وصلت لمرحلة
ما بقتش قادرة تاخد قرارات لنفسها وأحيانا لازم ناخد قرارات صعبة علشان نحمي كبار السن.
تجمدت والإسفنج في يدي أستمع باهتمام. أصرت ليلى 
بس هي شكلها كويسة كل ما أتكلم معاها بحسها طبيعية.
تنهدت سامية بشكل درامي وقالت 
ده اسمه تظاهر بالقوة وده شائع عند مرضى الخرف بيقدروا يتمالكوا نفسهم في تعاملات قصيرة وبعدين ينهاروا لما يبقوا لوحدهم.
ضغطت على فكي. كذبة أخرى تلاعب نفسي آخر مصمم ليس فقط للتشكيك في قواي العقلية بل لخداع أحفادي أيضا. تساءلت ليلى 
طب ليه نبيع البيت ده هي بتحب المكان ده.
انضم صوت نبيل إلى المحادثة قائلا 
ما بقاش بيتها يا ليلى ده بيتنا. جدتك وقعت على التنازل عنه السنة اللي فاتت.
كذبة صريحة. لم أوقع على أي وثيقة من هذا القبيل 
ضغطت ليلى سائلة عن كتيب دار المسنين الذي رأته فاتخذ صوت سامية نبرة مدربا عليها وهي تقول حدايق الغروب منشأة هايلة والله ومصاريف بيع البيت هتساعدنا نفتح المنتجع الصحي النهاري اللي طول عمرنا بنحلم بيه. مش نفسك يبقى ليكي أوضة لوحدك هناك وتيجي تساعدينا في الويك إند
تمسكت بالطاولة لأثبت نفسي. كانوا يرشون حفيدتي بالوعود بينما يخططون للتخلص مني. انكسر صوت ليلى وهي تسأل طب وجدتي هتبقى لوحدها خالص
قال نبيل بازدراء هتاخد رعاية مناسبة وإحنا نزورها في الأعياد.
سمعت صوت كرسي يزاح وخطوات تجري ثم بابا يصفق. غادرت ليلى الطاولة. استأنفت بسرعة مسح الطاولات عندما اقتحمت سامية المطبخ تمتمت قائلة المراهقين دراميين أوي في كل حاجة.
وبالكاد نظرت إلي سألتني إن كنت قد انتهيت تقريبا فلديها هي ونبيل خطط لمراجعتها من أجل عمله الاستشاري. كان نبيل قد بدأ عملا استشاريا ماليا قبل ستة أشهر بعد فشل مشروعه التجاري السابق وكانت سامية تعمل مديرة تسويق لسلسلة منتجعات صحية محلية وهي الصناعة التي كانت تأمل في دخولها بنفسها بأموال بيع منزلي. تمتمت وأنا أبقي عيني إلى أسفل ووضعيتي خاضعة ألعب الدور الذي توقعوه خلصت تقريبا.
في تلك الليلة انزلقت ورقة مطوية تحت بابي. كان خط عمر. كتب أنه وجد هذا في درج طابعة والده. كانت نسخة تأكيد مطبوعة من حدائق الغروب منشأة رعاية مسنين مجردة من الأساسيات ولديها انتهاكات لا حصر لها وفقا للخط الصغير في الأسفل. كان تاريخ قبولي مجدولا ليوم الثاني عشر من يوليو اليوم التالي لبدء رحلة سامية ونبيل الأوروبية. وكان مرفقا كشف قرض يوضح استعارة خمسة عشر ألف ريال باسمي لنفقات طبية واسمي مزور على الخط المنقط.
جلست على سريري أحدق في هذه الأوراق التي تمثل المرحلة النهائية من خيانة أبنائي. غدا سيأتي الأستاذ حسن للزيارة بينما سامية ونبيل في العمل وهو أول اتصال خارجي لي منذ أشهر. كان عمر قد رتب ذلك بحجة دروس تقوية في الحاسوب. مددت يدي إلى الهاتف الذي أعطتني إياه ليلى واتصلت بالرقم الذي زودني به عمر. همست عندما أجاب يا أستاذ حسن أنا مريم
زوجة إبراهيم أيوه محتاجة مساعدتك. الموضوع له علاقة بسامية ونبيل وباللي عملوه في إبراهيم
ساد صمت. ثم سأل عما أعنيه
 

تم نسخ الرابط