على درج الخذلان بقلم الكاتبه نرمين عادل همام حصريا
ذراعي حول كتفيه وقلت
إنت عملت الصح لما دافعت عن الحقيقة وده دايما صح حتى لما يكون مؤلم.
وبينما كان ضوء القمر يتسلل عبر الستائر قطعت وعدا صامتا ليس لنفسي فقط ولا لذكرى إبراهيم بل لهؤلاء الأطفال الذين يستحقون أفضل من المثال الذي قدمه والداهم. لم يعد الأمر يتعلق بالعدالة فقط بل بالإرث.
همست ليلى وهي تنزلق إلى غرفتي
هما بيخططوا لحاجة.
مر أسبوعان منذ الجلسة الطارئة وتحول الجو في المنزل من العداء المفتوح إلى شيء أكثر حسابا. سألتها وأنا أرفع نظري عن المستندات المالية التي كنت أراجعها أنا وحسن
زي إيه
شرحت ليلى وجبينها مجعد بالشك
بقوا لطاف قوي بابا عرض يساعد عمر في مشروعه العلمي وماما عملت المعمول اللي بتحبيه للفطار.
فهمت المعنى فورا. لقد أدركوا أن الترهيب لا يجدي نفعا والآن يحاولون التلاعب.
كانت الجلسة الكاملة مقررة الشهر المقبل. وكانت دلال تبني قضية شاملة وقد أجرت خدمات حماية البالغين تقييمها الأولي ووجدت دليلا واضحا على الإساءة العاطفية والاستغلال المالي.
سألت ليلى باستنكار
هما فاكرين إننا هننسى كل حاجة كده ببساطة
أوضحت لها
هما متخيلين إني ممكن أسحب القضية لو أقنعوني إنهم اتغيروا أو على الأقل أوافق على تسوية تبقيهم بعيد عن المحكمة الجنائية.
طرق خفيف على الباب. دخل عمر وقال وقد بدا مضطربا
بابا عايز يتكلم معاكي مستني في الصالة.
تبادلت النظرات مع ليلى وأمرتهما أن يبقيا في الطابق العلوي وسأتولى أنا الأمر.
كان نبيل يقف بجانب المدفأة يتفحص الصور العائلية على الرف الصور التي أعيدت إلى أماكنها الصحيحة بعد إخفائها أثناء نفيي في القبو. رحب بي بود مصطنع
يا مريم شكلك أحسن.
سألته وأنا لا أزال واقفة رغم إشارته إلى الأريكة
إنت عايز إيه يا نبيل
تعثرت ابتسامته قليلا وقال
كنت آمل نتكلم ونصفي الجو.
سألته
عن إيه بالظبط أوراق القرض المزورة فلوس التأمين خطة بيع بيتي ولا عن رعاية إبراهيم الطبية
تصلب تعبير نبيل لحظة ثم استعاد رباطة جأشه
بصي الأمور خرجت عن السيطرة. آه عملنا أخطاء بس إحنا عيلة.
أجبته بنبرة متزنة
العيلة ما بتستغلش العيلة.
تنهد دراميا وقال إن سامية منهارة وإنها أرادت فقط الأفضل للجميع. سألته ببرود
ومن الأفضل ده كان التخطيط إني أتعرض لحادث في إجازتكم الأوروبية
امتقع وجه نبيل
دي كانت سوء فهم واختيار سيئ للكلمات في الإيميلات.
قلت ببرود
القاضي مش هيشوفها كده.
غير تكتيكه
قضايا المحاكم مكلفة وفوضوية إنت فعلا عايزة تعرضي الأطفال ده كله وتخليهم يشهدوا ضد والديهم
كانت ضربة دنيئة. أجبته
الأطفال شافوا كفاية بالفعل. شافوا أهلهم بيكدبوا ويسرقوا ويهينوا جدتهم. إنت شايف ده يعلمهم إيه
تصدع القناع اللطيف وقال بغضب
الأطفال دول ما كانوش هيشوفوا حاجة من ده كله لولا الفلوس دي مدارس خاصة إجازات فرص!
صححته
تقصد فلوسي وتأمين حياة إبراهيم وبيتنا.
انفجر
إنت أصلا ما كنتيش بتستخدمي الفلوس!
حدقت فيه أرى أخيرا مدى شعوره بالاستحقاق وسألته
وده يبرر سرقتها ده دفاعك يا نبيل إنها ما كانتش بتستخدم فلوسها فإحنا ناخدها
مرر يده في شعره بإحباط
إنت عايزة تشوفي سامية في السجن بنتك
أجبته ببساطة
أنا عايزة العدالة لإبراهيم ولي أنا.
خفض صوته
نعمل صفقة. نرجع كل حاجة ننقل ملكية البيت ليك رسمي ونديكي استقلالك الكامل.
كدت أضحك
إنت ما تقدرش تسدد اللي ما تملكوش. حسن أثبت إنكم حرقتوا معظم الفلوس والبيت أصلا بيتي.
قال بيأس ملموس
فكري في سمعة العيلة الفضيحة ده اللي إبراهيم كان عايزه
انكسر شيء بداخلي. قلت بصوت هادئ مميت
إوعى تنطق اسمه بعد اللي عملتوه بيه.
تراجع خطوة مذهولا من تحولي. لم أعد المرأة الوديعة المشوشة التي صنعوها.
سألته وأنا أتذكر بحث حسن
وأعمالك الاستشارية مش ناوي تفسر للسلطات ليه حسابات عملائك بتختفي
أفضل من مشروعه الأخير أليس كذلك ولهذا السبب لا تزال تختلس من العملاء مستخدما الأساليب نفسها التي مارستها علي.
اتسعت عينا نبيل قليلا وكان ذلك تأكيدا لدقة نتائج حسن. لقد انتقل نبيل من اختلاس أموالي إلى الاحتيال على عملائه وهو نمط من سوء السلوك المالي امتد لسنوات.
تابعت قائلة إن الجلسة ستستمر كما هو مقرر والآن ما لم يكن لديك شيء مفيد لتضيفه أعتقد أننا انتهينا هنا.
وكأنها إشارة رن جرس الباب.
تجمد نبيل واتجهت عيناه نحو المدخل. أخبرته بابتسامة صغيرة
دي سعاد الصحفية وزميلتي السابقة. إحنا بنعمل مقابلة عن الاستغلال المالي لكبار السن. تحب تشارك بوجهة نظرك
التوى وجه نبيل بالغضب وقال
إنت ست انتقامية
قاطعته محذرة
ليلى فوق على السلم وممكن عمر يكون بيسجل المكالمة. اختار كلامك الجاي بحكمة.
خرج مسرعا من الباب الخلفي بينما ذهبت لاستقبال سعاد زميلتي السابقة من المكتبة التي صدمت لمعرفة حقيقة وضعي.
لاحقا بينما كنا أنا وسعاد ننهي مقابلتنا في الحديقة سألتني سؤالا أخيرا
بعد كل اللي عملوه تفتكري تقدري تسامحيهم يوما ما
نظرت إلى شجيرات الورد التي زرعناها أنا وإبراهيم والتي بدأت تزهر مرة أخرى تحت رعايتي وأجبت بحذر
التسامح محتاج ندم وأنا لسه ما شوفتوش. بس شوفت حاجة تانية.
سألت سعاد
إيه هي
أجبتها
قوتي وأحيانا اكتشاف ده بيكون أهم من التسامح.
كان المنزل يضج بطاقة متوترة. بقي أسبوع واحد حتى الجلسة وغيرت سامية ونبيل استراتيجياتهما مرة أخرى. هذه المرة حاولا ترهيب الشهود.
أبلغتني ليلى وهي تنزلق إلى غرفتي ومعها هاتفها
الأستاذ حسن بيقول إنهم راحوا بيته امبارح وحاولوا يقنعوه إنه فاكر الطلبات المالية غلط.
هززت رأسي غير متفاجئة ولكن بخيبة أمل وسألتها
ونجحوا
ابتسمت ليلى
ولا حاجة سجل المكالمة كلها ودلال بتقول ده دليل إضافي على التلاعب بالشهود.
كان انتصارا صغيرا لكنه مقلق. كان اليأس يزداد في تصرفات سامية ونبيل مع اقتراب الجلسة. أمر الحماية منعهم من تهديدي مباشرة لكنهم وجدوا أهدافا أخرى.
أضاف عمر وهو
كمان اتصلوا بمعلمة الكمبيوتر الأستاذة نادية وحاولوا يشوهوا حالتك العقلية بس هي وقفتهم وقالت إنك دايما أكتر واحدة منظمة في المتطوعين بالمكتبة.
ابتسمت بامتنان لأحفادي هؤلاء الحلفاء غير المتوقعين الذين نضجوا كثيرا خلال هذه المحنة. في السادسة عشرة والرابعة عشرة من العمر أظهروا نزاهة تفوق والديهم.
وصلت دلال بعد ظهر ذلك اليوم لجلسة التحضير النهائية. كان تعبيرها متجهما وهي تضع حقيبتها على طاولة غرفة الطعام. أبلغتني أن المعارضة قدمت تقييما نفسيا في اللحظة الأخيرة يزعم أنني أظهر علامات أوهام الاضطهاد ويطلبون رفض القضية.
قلت لها
خليني أخمن الدكتور ماهر نفس اللي زارني قبل الجلسة الطارئة
أومأت دلال برأسها وقالت
بالضبط. لكن تقييمنا المستقل من الدكتور سمير يناقضه تماما. واضح إنهم بيستخدموا كل وسيلة ممكنة.
سألتها عما يجب أن نتوقعه أيضا
قالت دلال بصراحة
هيهاجموا علاقتك بالأطفال ويقولوا إنك لعبتي في دماغهم ضد أهلهم.
تقدمت ليلى من المدخل وكانت تستمع وقالت
نقدر نجيب التسجيلات ونبين إنهم هم اللي كانوا بيتلاعبوا بينا كلنا.
ترددت دلال وقالت
الموضوع معقد إنتوا قصر وتسجيل المكالمات من غير موافقة فيه إشكال قانوني.
سأل عمر بصوت مرتجف من الإحباط
يعني هيفلتوا من العقاب
طمأنته دلال
لا. الأدلة المالية وحدها كافية للإدانة من غير ما نتجاوز أي خطوط قانونية.
بعد مغادرة دلال وجدت نفسي وحيدة في الحديقة أتأمل شجيرات الورد التي زرعناها أنا وإبراهيم في ذكرى زواجنا العشرين. كانت تزهر من جديد بعد سنوات من الإهمال رمزا صغيرا للمرونة جلب لي راحة عميقة.
وقفت سامية عند بوابة الحديقة وتعبيرها محايد بعناية وقالت
يا أمي
كانت تلك أول محادثة مباشرة بيننا منذ أسابيع إذ كانت تتجنبني منذ الجلسة الطارئة. سألتني بتهذيب مصطنع إن كان بإمكانها الانضمام إلي. أومأت برأسي بدافع الفضول تجاه هذا النهج الجديد.
جلست بجانبي على مقعد الحديقة وهي تسوي تنورتها باهظة الثمن وعلقت
الورد جميل بابا دايما كان إيده خضرا في الزراعة.
صححت بهدوء
أنا اللي زرعت الورد أبوك بنى السور الخشبي.
لمح وجهها انزعاج خفيف أخفي سريعا وقالت
طبعا آسفة.
امتد الصمت بيننا ثم تحدثت أخيرا
يا أمي كل اللي حصل ده خرج عن السيطرة ما قصدناش الأمور توصل لكده.
انتظرت دون تعليق تاركة لها المجال لتكمل حفر قبرها بنفسها.
تابعت
سوء تفاهم ارتباك مالي كل حاجة اتصعدت بس إحنا عيلة وأكيد في طريقة أحسن من المحاكم والفضيحة.
سألتها بحياد
تقترحي إيه
أشرق وجهها وكأنها رأت فرصة وقالت
نسيب الهري القانوني ده ونبدأ من جديد. أنا ونبيل نسيب البيت ونديكي مساحتك ونعمل خطة لسداد أي فلوس اتصرفت غلط.
ضغطت عليها بهدوء
وماذا عن الآثار الجنائية والوثائق المزورة وقرارات إبراهيم الطبية
تصلب وجهها قليلا وقالت
دي كانت سوء تفاهم فظيع وطرحها قدام الناس مش هيعمل حاجة
قلت
ممكن يساعد يمنع عائلات تانية من اللي أنا مريت بيه.
مالت للأمام وخفضت صوتها
فكري في ليلى وعمر عايزة فعلا يشوفوا أبوهم وأمهم بيتسحلوا في المحاكم ويمكن السجن
درست وجه ابنتي الوجه الذي نظرت إليه يوما بحب غير مشروط. متى أصبحت هذا الشخص هل كان تأثير نبيل أم خللا فشلت في ملاحظته
قلت أخيرا
يا سامية كان عندي وقت طويل أفكر خصوصا وأنا في القبو. تعرفي وصلت لإيه
انتظرت بترقب.
كنت دايما بختلق أعذار لسلوكك من وإنت مراهقة. دايما أبرر وأقول هتكبري وتبطلي أنانية لكن اللي حصل مش عادل.
قالت بحدة
ده مش عدل.
أجبت بثبات
اللي مش عدل هو التلاعب بأم مسنة وعزلها والتشكيك في عقلها والتخطيط لرميها في دار رعاية وسرقة بيتها.
صرخت وقد تصدع قناعها
إحنا كنا بنحاول نحميكي!
سألتها بهدوء قاتل
تحموني من إيه يا سامية من فلوسي من استقلاليتي من الحقيقة عن موت إبراهيم
وقفت فجأة وقالت
واضح إنك لسه مشوشة وانتقامية.
بقيت جالسة أنظر إليها بثبات
الجلسة الأسبوع الجاي هشوفك هناك.
ابتعدت غاضبة. لاحظت ليلى عند نافذة غرفتها تراقب كل شيء رفعت لي إبهامها بإشارة دعم صغيرة.
في المساء أراني عمر شيئا على حاسوبه رسالة بين نبيل ووكيل العقارات من صباح ذلك اليوم
لازم نسرع البيع مهما كلف الأمر المصاريف القانونية عالية والرحلة اتلغت بس محتاجين رأس مال للخروج.
كانوا لا يزالون يحاولون بيع منزلي رغم أمر المحكمة.
نظرت إلى وجه عمر القلق وقلت
ما يقدروش يبيعوا اللي مش ملكهم.
قال
بس مش هيبطلوا صح
أجبته بصدق
مش هيبطلوا إلا لما يجبروا.
كانت قاعة المحكمة أكثر ازدحاما مما توقعت. مقال سعاد عن الاستغلال المالي للمسنين أشعل الضوء على القضية
وأرسلت العديد من المنظمات الحقوقية ممثلين عنها. جلست سامية ونبيل مع محاميهم محام أكثر خبرة من الشاب الذي حضر الجلسة الطارئة يبدو أنهم قاموا بترقية تمثيلهم القانوني.
سألتني دلال وهي تضغط على يدي بينما ينادي الحاجب قضيتنا إن كنت مستعدة. أومأت برأسي ومسحت القاعة بنظري. كان الأستاذ حسن يجلس خلفي مباشرة وكان وجوده مطمئنا. غابت ليلى وعمر اتفقت أنا ودلال على أنه لا ينبغي لهما الإدلاء بشهادتهما ما لم يكن ذلك ضروريا للغاية لكن إفاداتهما كانت ضمن ملف الأدلة.
دخلت القاضية حياة وبدأت الإجراءات.
قدمت دلال قضيتنا بشكل منهجي وبنت سردا مدمرا للاستغلال المالي والتلاعب النفسي والمخالفات الطبية. شهد حسن حول التحليل المالي متتبعا مسار أموال تأمين حياة إبراهيم عبر حسابات سامية ونبيل مشتريات فاخرة مشاريع تجارية فاشلة والقارب الذي لم يعودوا قادرين على تحمل دفعاته.
قدم الدكتور سمير تقييمه النفسي المستقل مؤكدا أنني لم أظهر أي علامات ضعف إدراكي أو خرف بما يناقض مباشرة التقييم الذي دبرته سامية.
طوال ذلك راقبت وجه ابنتي. لا ندم. فقط همس عاجل لمحاميها.
حين جاء دوري للشهادة اقتربت من المنصة بخطوات ثابتة. ذهب وضع الجسد المنحني والنظرة
بدأت دلال تطلب مني وصف متى لاحظت