على درج الخذلان بقلم الكاتبه نرمين عادل همام حصريا
بما فعلوه بإبراهيم فقد ظن أنه أصيب بنوبة قلبية. أجبته وصوتي يزداد ثباتا مع كل كلمة وأنا كمان كنت فاكرة كده لحد امبارح.
بعد أن أغلقت الخط جلست في ظلام غرفتي بالقبو أستمع إلى صرير المنزل من فوقي ولأول مرة منذ سنوات لم أشعر بالعجز بل شعرت بشيء أخطر بكثير شعرت بالهدف.
طرق خفيف على بابي. انزلقت ليلى إلى الداخل وفكت المزلاج البسيط الذي استخدمته سامية ونبيل للتحكم في تحركاتي. همست سمعتهم على العشا قالوا إنهم هيبعثوكي بعيد وعن المنتجع الصحي أنا آسفة أوي يا جدتي.
أخذت يديها بين يدي وقلت ما تعتذريش كوني مستعدة.
سألتني مستعدة لإيه
نظرت في عينيها عيني إبراهيم وشعرت بموجة من العزم مستعدة إنهم يواجهوا أخيرا اللي عملوه.
سلوكنا وعلينا التصرف بشكل طبيعي.
قالت ليلى بحدة
أنا بكره التمثيل ده بكره أتصرف كإنهم مش وحوش.
أخذت يدها وقلت بهدوء
مش وحوش هما بس ناس يائسة وأنانية ضاعت منهم البوصلة ومش هيشوفوا العواقب غير بعد فوات الأوان.
بدا عمر قلقا وسأل
ولو اكتشفوا اللي بنعمله ممكن يبعثوكي بعيد بدري.
فكرت في رسائل البريد الإلكتروني التي تقترح شيئا أكثر ديمومة من حدائق الغروب وفي إبراهيم الذي ضحى بفرصته في الشفاء من أجل المال ثم قلت بحزم
إحنا هنتأكد إنهم ما يكتشفوش ولازم نتحرك بسرعة.
في وقت لاحق من تلك الليلة وحيدة في غرفتي بالقبو وجدت نفسي أحدق في صور قديمة. لمست بيدي وجه إبراهيم في صورة زفافنا وهمست للصورة
هصلح كل ده علشانك وعلشاني.
قالت المحامية دلال وهي تعدل وضعيتي
محتاجة تقعدي باستقامة أكتر يا مدام مريم اتكلمي بوضوح وخلي عينك في عين القاضي لازم يشوف إنك مؤهلة.
مرت ثلاثة أسابيع منذ أن عرفني حسن على دلال المحامية الحادة الذكاء المتخصصة في قضايا إساءة معاملة المسنين. كنا في مكتبها نستعد لجلسة الاستماع الطارئة لتجميد حساباتي وإلغاء توكيل سامية. ذكرتها وأنا أعود لوضعيتي المحدبة المعتادة بأنهم أمضوا عامين في إقناع الجميع بأنني في تدهور عقلي وأصبح من الغريزي أن أبدو كما يتوقعون. ردت دلال بحزم
وده بالضبط اللي بنحاربه وريني مريم الحقيقية.
قومت عمودي الفقري رفعت ذقني والتقيت بنظراتها مباشرة وقلت
مريم اللي ربت بنت جاحدة ودفعت مصاريف تعليمها الجامعي ونجت من التلاعب والعزلة وقررت تبطل تسمح لحد يستغل طيبتها.
ابتسمت دلال وقالت
ممتاز تمسكي بالطاقة دي.
دخل حسن ومعه ملف سميك وقال إنه أكمل التحليل المالي لقد اختلسوا ما يقرب من مليون وسبعة وستين ألف ريال من مريم على مدار خمس سنوات بما في ذلك أموال التأمين والراتب التقاعدي الشهري. هز رأسه بعبوس وأضاف أنه وجد دليلا على أنماط مماثلة في عمل نبيل الاستشاري فهو يختلس من العملاء. قالت دلال
لازم نتحرك بسرعة بيع البيت بعد ست أسابيع من دلوقتي.
تسارعت دقات قلبي. ستة أسابيع لمحو سنوات من التلاعب والسرقة. سألت عن سجلات إبراهيم الطبية فالبريد الإلكتروني يشير إلى أن
في ذلك المساء بدت سامية مضطربة وهي تضع صينية عشائي. قالت بلا مبالاة
محتاجين منك توقعي شوية أوراق الأسبوع الجاي مجرد تحديثات روتينية لتوجيهات رعايتك.
أبقيت عيني إلى أسفل ألعب الدور وسألتها
تحديثات إيه
لوحت بيدها وقالت
ولا حاجة مهمة اتفاقيات نقل ملكية كان المفروض تتعمل من زمان نظرا لحالتك.
تسارع نبضي لكنني حافظت على قناع الوداعة وقلت
طبعا يا حبيبتي.
بعد مغادرتها راسلت ليلى فورا باستخدام تطبيق المراسلة الآمن الخاص بنا. في غضون دقائق انزلق عمر إلى الطابق السفلي ومعه حاسوب نبيل المحمول وهمس أن والده تركه مفتوحا وأن لدينا خمس عشرة دقيقة قبل أن يلاحظوا غيابه. بحثت بسرعة في رسائل البريد الإلكتروني الحديثة ووجدت ما كنا نخشاه اتصالات مع مزور وثائق حول إنشاء أوراق نقل ملكية بتواريخ قديمة. التقط عمر صورا للرسائل بهاتف ليلى ثم أسرع عائدا إلى الطابق العلوي بالحاسوب.
في وقت لاحق من تلك الليلة اتصل حسن بالأخبار
دلال حددت جلسة طارئة ليوم التلات الجاي. القاضي هيقرر إذا كان هيجمد كل المعاملات والأصول لحد ما التحقيق يخلص.
شعرت بمزيج من الأمل والرعب. كان الثلاثاء بعد خمسة أيام خمسة أيام قد تدرك فيها سامية ونبيل أن هناك خطبا ما. سألت عما إذا حاولوا جعلي أوقع تلك الوثائق المزورة قبل ذلك الحين فنصحني حسن بالمماطلة والقول إنني لست على ما يرام أو طلب قراءتها بعناية أولا أي شيء للتأخير.
في صباح اليوم التالي اتخذت قرارا مدروسا بأن أبدو أضعف من المعتاد في الإفطار. عندما علقت سامية بأنني أبدو مريعة تمتمت بشيء عن عدم النوم جيدا والشعور بالدوار. اقترح نبيل وهو يتبادل نظرة ذات مغزى مع سامية
يمكن نأجل اجتماعنا مع المحامي لحد ما تبقي أقوى.
أومأت بضعف وأنا أشعر بالانتصار داخليا. تم تجاوز عقبة واحدة.
بعد ظهر ذلك اليوم وبينما كنت أتظاهر بالقيلولة سمعت سامية على الهاتف مع وكيل العقارات تقول
المشترين صبرهم خلص أيوه إحنا عارفين الجدول الزمني لا مفيش أي مشاكل مع الورق. حالة والدتي بس معقدة شوية بس إحنا معالجين الموضوع.
في ذلك المساء أحضرت ليلى غسيلا نظيفا وهمست بأن أمها استدعت طبيبا ليأتي ويفحصني غدا وأنها تعتقد أنهم يوثقون تدهوري من أجل الأعمال الورقية أو موت غير متفاجئ.
قلت في نفسي فلنمنحهم ما يتوقعونه.
عندما وصل الطبيب في اليوم التالي لعبت الدور بإتقان بدوت مشوشة قليلا أحيل الأمور إلى سامية وأتظاهر بالتيه في التواريخ بينما كنت ألتقط أسئلة الطبيب الاستدراجية بمهارة تلك المصممة لتأكيد رواية سامية. وبعد مغادرته سمعت سامية على الهاتف مرة أخرى تقول إن تقييم الدكتور ماهر لازم يوفر الدعم اللي محتاجينه وكلا مفيش مشكلة تذاكر
مع حلول الظلام جلست في غرفتي بالقبو أتدرب على شهادة يوم الثلاثاء مع حسن عبر الهاتف ولأول مرة منذ سنوات سمحت لنفسي أن أحتضن الغضب المشتعل بداخلي كاملا. لاحظ حسن أن صوتي بدا مختلفا فأجبته
أنا فعلا مختلفة وصوتي أقوى من أي وقت فات. هما أخدوا جوزي وبيتي وكرامتي بس مش هيقدروا ياخدوا مستقبلي.
لاحقا وأنا وحدي في الظلام لمحت انعكاسي في مرآة الحمام الصغيرة. كانت الأكتاف المنحنية قد اختفت وحلت محل النظرة المتجنبة نظرة مباشرة وتحول التعبير الخجول إلى شيء أكثر صلابة وعزما. المرأة التي خلقوها الخائفة المعتمدة على الغير المشوشة كانت تتلاشى وفي مكانها وقفت المرأة التي نسيت يوما أنني يمكن أن أكونها.
سألتني دلال عما إذا كنت مستعدة ونحن نجلس في ردهة المحكمة ننتظر جلستنا الطارئة. سويت السترة التي أحضرها لي حسن أول زي لائق بي منذ أشهر بدلا من السترات عديمة الشكل والسراويل الرياضية التي قررت سامية أنها تناسب حياتي الجديدة وأجبتها
أكتر من مستعدة.
كنت أشعر بوزن ملف الأدلة في حضني حين فتح الباب وخرجت سامية مع محاميها. توقفت فجأة عندما رأتني. لثانية واحدة ظهرت صدمة عارية على وجهها ليس فقط لوجودي بل لمظهري الشعر المصفف بعناية الملابس المهنية الوقفة المستقيمة والعينان الصافيتان.
شهقت وقالت
إنت بتعملي إيه هنا يا أمي
قبل أن أتمكن من الإجابة نادى الحاجب رقم قضيتنا. داخل قاعة المحكمة تحولت صدمة سامية إلى غضب حين قدمت دلال التماسا طارئا بأمر قضائي مؤقت يجمد جميع أصولي ويعلق توكيل سامية لحين التحقيق في الاستغلال المالي وإساءة معاملة المسنين.
همست سامية لمحاميها بانفعال
ده كلام فارغ دي مش قادرة حتى تدير دواها اليومي!
درست القاضي حياة امرأة صارمة المظهر في الستينيات من عمرها المستندات المالية التي أعدها حسن ثم وجهت حديثها لسامية مستخدمة اسم عائلة زوجها
الادعاءات دي خطيرة جدا يا مدام نبيل.
حاول محامي سامية وقد بدا عليه الارتباك تغيير المسار
يا سيادة القاضي مدام مريم عندها مشاكل إدراكية موثقة وبنتها كانت بتدير شؤونها بشكل مناسب.
ردت القاضي ببرود
أنا مش شايفة أي تقارير طبية هنا تثبت ضعفا إدراكيا اللي موجود بس توكيل تم الحصول عليه أثناء دخول المستشفى.
أسرع محامي سامية قائلا
نقدر نقدم تقييمات طبية.
قاطعت دلال
من أطباء هم نفسهم اللي اختارتهم المدعى عليها واطلعوا على روايتها. إحنا بنطلب تقييما مستقلا يا سيادة القاضي.
نظر القاضي إلي مليا ثم سألت
يا مدام مريم هل تفهمين هذه الإجراءات
التقيت بنظرتها بثبات وقلت
أيوه يا سيادة القاضي. فاهمة إن بنتي وجوزها عزلوني بشكل منهجي وأقنعوا أصدقائي ومجتمعي إني غير كفؤة عقليا وحولوا راتبي التقاعدي وسيطروا على تحركاتي وبيحاولوا دلوقتي يبيعوا بيتي من غير موافقتي وفي نفس الوقت بيخططوا يودوني دار رعاية دون المستوى.
ساد الصمت في قاعة
وفاهمة كمان إن ده حصل بعد قرارات طبية اتاخدت لجوزي المرحوم قرارات يبدو إنها فضلت فلوس التأمين على فرصته في الشفاء.
نهضت سامية نصف نهضة وصاحت
دي كذبة! إنت مشوشة يا أمي ومش عارفة بتقولي إيه!
ضرب القاضي بالمطرقة مطالبة بالنظام ثم التفتت إلي وسألت
دي اتهامات خطيرة يا مدام مريم عندك دليل غير السجلات المالية
أجابت دلال فورا
نعم يا سيادة القاضي.
وقدمت نسخا من رسائل البريد الإلكتروني التي اكتشفها عمر بشأن علاج إبراهيم وبيع المنزل والترتيبات الخاصة بي في حدائق الغروب. وبينما كانت القاضي تراجعها انسحب اللون من وجه سامية. همس محاميها في أذنها بعجلة. وبعد ما بدا دهرا رفعت القاضي رأسها وقالت
أوافق على الالتماس الطارئ. جميع الأصول مجمدة لحين انتهاء التحقيق الكامل. يتم إلغاء التوكيل مؤقتا.
ثم وجه نظرة صارمة إلى سامية وأضافت
ويصدر أمر حماية لا يجوز إخراج السيدة مريم من محل إقامتها ولا يحق للسيدة سامية إجراء أي تصرف مالي متعلق بممتلكات والدتها.
صاحت سامية بحدة
أمال هي تعيش فين! دي محتاجة إشراف!
رد القاضي بحزم في منزلها المنزل الذي يظل قانونيا باسمها. وإذا كان الإشراف ضروريا طبيا فسيرتب من خلال خدمات حماية البالغين لا أفراد الأسرة الذين لديهم تضارب مصالح واضح.
خارج قاعة المحكمة واجهتني سامية وصوتها منخفض وسام سائلة
إنت عملتي إيه بعد كل اللي عملناه علشانك
التقيت بنظراتها ولم أعد خائفة وقلت
تقصدي كل اللي عملتوه بيا.
فصاحت
هتندمي على اللي عملتيه ده!
وأضافت هي ونبيل في وقت واحد تقريبا
إحنا كنا بنحميك من نفسك!
أجبتهما بهدوء
لا مزيد من الأكاذيب يا سامية الموضوع انتهى.
في ذلك المساء ساعدني حسن في الانتقال من القبو والعودة إلى غرفة نومي الحقيقية. تراجع سامية ونبيل غاضبين لكن عاجزين بموجب أمر المحكمة إلى الجزء الخاص بهما من المنزل. وبينما كنت أفرغ ممتلكاتي القليلة انزلقت ليلى بصندوق صغير وهمست وهي تفتحه لتكشف عن خاتم خطوبة جدتي ولآلئ أمي
لقيت دول في درج مجوهرات ماما وحسيت إنهم لازم يرجعوا لك.
وقد غمرني الامتنان لهذه الشابة الشجاعة التي رفضت قبول الرواية التي بناها والداها.
لاحقا وقفت وحدي في غرفة نومي غرفتي الحقيقية أنظر إلى الحديقة التي زرعناها أنا وإبراهيم معا. شجيرات الورد كانت بحاجة إلى تقليم ومغذيات الطيور كانت فارغة مثلي. لقد تم إهمالها لكن ليس إلى درجة لا يمكن إصلاحها.
ظهر عمر عند المدخل وسأل
يا جدتي هو صحيح إنت باقية
أكدت له
أيوه مش رايحة في أي مكان.
سأل ووجهه الصغير مضطرب
طب هيحصل إيه دلوقتي
جلست على حافة السرير وربت على المكان بجانبي وقلت
دلوقتي نجمع باقي الأدلة.
سأل بصوت صغير
بالنسبة للجلسة الكاملة ماما وبابا هيدخلوا السجن
نظرت إلى هذا الطفل العالق بين ولائه لوالديه وإحساسه الفطري بالصواب والخطأ
مش عارفة ده يعتمد على اللي هنلاقيه وعليهم هما.
سألني
أنا عملت الصح لما ساعدتك
لففت