قصة جديدة

لمحة نيوز


الورقة بعناية بفكر أرجع آخد حقي.
في نفس الوقت...
كانت نهى، سلفتها المهندسة، قاعدة في بيتها تبكي.
جوزها ممدوح أخو باسم كان بيزعق فيها للمرة التالتة في أسبوع واحد.
واتهمها إنها مهملة في بيتها رغم إنها كانت راجعة من شغلها منهارة.
ولأول مرة، نهى سمعت حماتها بتقول قدام الكل
الشهادة الكبيرة دي ما نفعتكيش بحاجة... الست الشاطرة مكانها بيتها.
الكلمة نزلت على نهى كالصاعقة.
هي نفسها الجملة اللي كانت الحماة بتقولها لدليلة بشكل مختلف.
وهنا بدأت نهى تشوف الحقيقة...
الحماة عمرها ما كانت بتكره دليلة عشان المعهد.
ولا عشان التعليم.
ولا حتى عشان الأصل.
هي كانت بتكره أي ست قوية أو محبوبة.
أي ست ممكن تاخد مكانتها في قلب أولادها.
وفي تلك الليلة...
رن تليفون دليلة.
رقم غريب.
ردت بحذر.
لكن أول ما سمعت الصوت، وقفت فجأة.
الصوت قال
أستاذة دليلة؟ إحنا بنراجع ملفات قديمة ولقينا اسم حضرتك ضمن المرشحين الأوائل للبرنامج اللي قدمتي فيه من سنين... وحابين نعرف إذا كنتِ لسه مهتمة.
دليلة سكتت.
قلبها بدأ يدق بسرعة.
ثم سألت السؤال الوحيد
ولو وافقت... هبدأ إمتى؟
الصوت رد
في أسرع وقت... لكن فيه حاجة لازم تعرفيها الأول.
وتغيرت ملامح دليلة تماماً وهي تسمع باقي الكلام...! 
يتبع...وقف باسم عند باب الشرفة، يحاول يسمع أي كلمة.
لكن دليلة كانت تتحدث بصوت منخفض.
كل ما قدر يلتقطه هو
بعد السنين دي كلها؟
ثم صمت.
وبعدها
لا... الموضوع انتهى من زمان.
لكن نبرة صوتها لم تكن غاضبة.
ولا سعيدة.
كانت نبرة شخص فوجئ بعودة شبح من الماضي.
أنهت المكالمة بعد دقائق.
دخلت الشرفة وهي تمسك الهاتف بقوة.
سألها باسم فوراً
مين كان؟
نظرت إليه للحظة.
ثم قالت بهدوء
واحد كنت أعرفه قبل الجواز.
شعر باسم وكأن أحدهم سكب ماءً مثلجاً فوق رأسه.
يعني إيه تعرفيه؟
ردت ببرود
يعني كان متقدملي.
سقط الصمت بينهما.
ثم أكملت
بس أبويا رفض وقتها لأنه كان لسه بيبني نفسه.
ابتلع باسم ريقه بصعوبة.
ولأول مرة شعر بالغيرة الحقيقية.


الغيرة التي كانت أمه تزرعها في قلبه ضد دليلة نفسها.
في الأيام التالية، أصبح اسم الرجل يتردد داخل البيت دون أن يراه أحد.
اتضح أن اسمه كريم.
وأنه الآن صاحب شركة كبيرة.
وكان قد عاد من الخارج منذ أشهر.
وبالصدفة البحتة رأى اسم دليلة ضمن قائمة المشاركين في أحد المشروعات.
ومن هنا بدأ يبحث عنها.
أما الحماة...
فما إن سمعت بالقصة حتى اشتعلت.
قالت لباسم
شفت؟ أنا كنت حاسة من الأول.
البنات اللي زي دي أول ما تشتغل وتنجح تنسى بيتها.
لكن المفاجأة كانت أن باسم لأول مرة يرد على أمه بعصبية
كفاية يا أمي!
سكت الجميع.
حتى الحماة نفسها.
لم يسبق أن رفع صوته عليها.
أبداً.
وفي تلك الليلة، جلست دليلة وحدها في غرفتها تتصفح بريداً إلكترونياً جديداً وصلها.
كان يخص المشروع الإقليمي.
لكن في آخر الرسالة وجدت سطراً إضافياً.
لم يكن ضمن الخطاب الرسمي.
سطر كتبه المدير التنفيذي بنفسه.
قرأت الجملة مرة.
ثم مرتين.
ثم تجمدت مكانها.
الجملة كانت
نود إبلاغك أنه تم ترشيحك لمنصب قيادي أعلى من المنصب الحالي، بناءً على توصية مباشرة من أحد أعضاء مجلس الإدارة.
دليلة كانت تعرف جميع أعضاء الفريق.
إلا شخصاً واحداً فقط.
الاسم الذي ظهر أسفل التوصية.
كريم.
شعرت بالضيق فوراً.
هي لا تريد أن يظن أحد أنها وصلت لهذا المكان بسبب معرفة قديمة.
هي تعبت.
وسهرت.
وانكسرت.
ثم وقفت على قدميها وحدها.
وفي صباح اليوم التالي اتخذت قراراً.
قراراً صدم الجميع.
طلبت مقابلة كريم بنفسها.
دخلت مكتبه بعد أيام.
كان رجلاً مختلفاً تماماً عن الشاب الذي عرفته منذ سنوات.
وقف احتراماً لها وقال مبتسماً
أخيراً قابلتك.
لكن دليلة لم تبتسم.
وضعت الملف أمامه وقالت
أنا جاية أسأل سؤال واحد.
رفع حاجبيه باستغراب.
فقالت بثبات
أنا أخدت الترشيح ده عشان شغلي... ولا عشان إنك كنت تعرفني زمان؟
اختفت الابتسامة من وجه كريم.
وظل ينظر إليها لثوانٍ طويلة.
ثم فتح درج مكتبه.
وأخرج ملفاً قديماً.
ملفاً أصفر اللون.
وضعه أمامها.
وقالت عيناها قبل
شفتيها
إيه ده؟
رد بهدوء
ده ملفك... اللي احتفظت بيه من يوم ما اتقدمتي للفرصة الأولى من سنين.
فتحت دليلة الملف...
وما إن قرأت أول صفحة حتى شحب وجهها بالكامل.
لأنها اكتشفت شيئاً خطيراً جداً...
شيئاً يخص زواجها من باسم نفسه...
شيئاً كانت تجهله طوال هذه السنوات.
يتبع... وقف باسم مكانه للحظات طويلة.
أول مرة يحس إن قلبه بيوجعه بالشكل ده.
مش عشان دليلة نجحت...
لكن عشان افتكر كل كلمة جارحة قالها لها.
كل مرة خذلها.
كل مرة سابها لوحدها قدام أمه وأخواته.
ولأول مرة، بدل ما يشوفها أم معهد، شافها إنسانة كانت تستحق الاحترام من البداية.
رجع البيت ذلك اليوم وهو شارد.
دخل فوجد أمه كعادتها جالسة مع بناتها.
أول ما شافته قالت
تعالى يا باسم، قول لمراتك تبطل لف ودوران برا البيت، الست مكانها وسط عيالها.
لكن المفاجأة إن باسم لم يرد.
بل دخل غرفته مباشرة.
الأم تبادلَت النظرات مع بناتها.
في شيء بدأ يتغير.
في الأيام التالية بدأت الأخبار تنتشر.
دليلة أصبحت تتنقل بين اجتماعات ومشروعات.
ناس مهمة تتصل بها.
شهادات تقدير.
ودورات تدريبية.
حتى أهل المنطقة بدأوا يتكلمون عنها بفخر.
وكلما زاد نجاحها...
زاد غضب الحماة.
وكأن نجاح دليلة فضح كل الإهانات القديمة.
أما نهى...
فكانت تراقب كل شيء بصمت.
وفي ليلة جمعت دليلة ونهى جلسة طويلة لأول مرة منذ سنوات.
قالت نهى وهي تمسك يدها
عارفة؟ طول عمري فاكرة إن حماتنا بتحبني أكتر منك.
ابتسمت دليلة بحزن.
أكملت نهى
بس اكتشفت إنها كانت بتستخدمنا ضد بعض.
سكتت قليلاً ثم قالت
لما كانت تمدحني قدامك كانت عايزة تكسرك... ولما تذمني قدامي كانت عايزة تخوفني.
نزلت دموع دليلة لأول مرة منذ مدة.
لأنها فهمت أخيراً أنها لم تكن المشكلة أبداً.
بعد شهرين...
وصل خطاب رسمي باسم دليلة.
الخطاب قلب البيت كله رأساً على عقب.
الحماة خطفته من يدها قبل أن تفتحه.
وقالت بسخرية
خير؟ جايالك وسام الجمهورية؟
لكن عندما قرأت السطور الأولى...
اختفى اللون من وجهها.
إحدى البنات
خطفت الخطاب منها وقرأت بصوت مرتفع
يسعدنا إبلاغكم باختياركم ضمن الفريق الإقليمي للمشروع...
ثم توقفت فجأة.
وأكملت بصوت مرتجف
...مع توفير سكن وانتقالات وفرصة سفر خارج البلاد.
ساد الصمت.
صمت ثقيل.
لأن الجميع فهم شيئاً واحداً.
دليلة لم تعد تحتاج أحداً.
في تلك الليلة، دخل باسم غرفتهما.
وجد دليلة ترتب بعض الأوراق.
جلس أمامها وقال بصوت منخفض
ممكن نتكلم؟
رفعت عينيها إليه.
لأول مرة لم تشعر بالخوف ولا اللهفة.
فقط هدوء بارد.
قال
أنا ظلمتك.
سكتت.
أكمل
وأذيتك أكتر من أي حد.
ظلت تنظر إليه دون رد.
فقال بصوت مكسور
سامحيني يا دليلة.
لكن قبل أن تنطق بأي كلمة...
رن هاتفها.
نظرت للشاشة.
وتغيرت ملامحها فجأة.
اسم المتصل كان لشخص لم تسمع عنه الأسرة كلها من قبل.
شخص كان جزءاً من حياتها القديمة...
قبل باسم.
وقبل الزواج.
وقبل كل شيء.
وحين ردت على المكالمة، سمع باسم الجملة الأولى فقط
أخيراً لقيتك يا دليلة... بقالى سنين بدور عليكي.
فتجمد مكانه وهو يراها تخرج إلى الشرفة لتكمل الحديث بعيداً عنه...
يتبع... دليلة قلبت الصفحة الأولى بسرعة.
ثم الثانية.
ثم الثالثة.
وكلما قرأت أكثر، كانت ملامحها تتغير.
رفعت رأسها نحو كريم وقالت بصوت مرتجف
إنت متأكد من الكلام ده؟
أومأ كريم بهدوء.
للأسف... عندي كل المستندات.
مد يده إلى الملف وأخرج ورقة قديمة مطوية.
ورقة كانت تحمل تاريخاً يرجع لأيام خطوبة دليلة وباسم.
قرأت السطور بعينين متسعتين.
وشعرت بأن أنفاسها تختنق.
قبل سنوات، عندما تقدمت دليلة للبرنامج التدريبي لأول مرة، تم قبولها بالفعل.
بل وكانت من أوائل المرشحين.
وكان من المفترض أن تتلقى اتصالاً رسمياً للحضور واستكمال الإجراءات.
لكنها لم تتلق أي اتصال.
ولا أي خطاب.
ولا أي رسالة.
فظنت وقتها أنها رُفضت.
وتخلت عن الحلم.
ثم جاء باسم وتزوجته.
وانتهت القصة...
أو هكذا كانت تظن.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
مختلفة بشكل صادم.
لأن الملف كان يحتوي على نسخة من خطاب القبول الأصلي.
وعليه توقيع بالاستلام.

لكن التوقيع لم يكن توقيع دليلة.
كان توقيع شخص آخر.
شخص تعرفه جيداً.
شخص من عائلتها الجديدة.
شعرت بدوار وهي تقرأ الاسم.
اسم...
حماتها.
جلست في مكانها غير قادرة على الكلام.
كريم قال بهدوء
أنا ما كنتش عايز أفتح الماضي... لكن
 

تم نسخ الرابط