قصة جديدة

لمحة نيوز


لما بدأنا نراجع الملفات القديمة اكتشفنا إن الخطاب اتسلم فعلاً.
ولما دورت أكتر لقيت إن العنوان اللي اتبعت عليه كان بيت جوزك الحالي.
تسارعت ضربات قلبها.
إزاي؟
قال
لأن وقتها باسم كان كتب عنوانه في بعض الأوراق الخاصة بالخطوبة علشان يسهل التواصل.
سكت لحظة ثم أكمل
والظاهر إن حد كان خايف إنك تنجحي.
خرجت دليلة من المكتب وهي لا تكاد ترى الطريق.
كل السنوات دي...
كل الإهانات.
كل الاستضعاف.
كل الإحساس إنها أقل من غيرها.
ممكن يكون سببه قرار متعمد من شخص واحد.
شخص سرق منها فرصة عمرها.
في المساء...
رجعت البيت.
الكل كان موجوداً.
الحماة.
أخوات باسم.
وباسم نفسه.
دخلت بهدوء غريب.
ثم وضعت الملف على الطاولة.
وقالت
عايزة أسأل سؤال.
نظر الجميع إليها.
قالت
مين فيكم فاكر الخطاب ده؟
شحب وجه الحماة للحظة.
لحظة صغيرة جداً.
لكن دليلة انتبهت لها.
وأدركت أن هناك سراً أكبر مما تتخيل.
أما الحماة...
فأمسكت طرف الكرسي بقوة.
لأنها فهمت فوراً أن الماضي الذي دفنته بيديها منذ سنوات...
عاد من جديد.
لكن قبل أن تنطق بكلمة...
رن جرس الباب.
وقف الجميع متعجبين.
فتح باسم الباب.
ثم تجمد مكانه.
الشخص الواقف بالخارج لم يكن غريباً.
وكان يحمل في يده ملفاً آخر.
وقال أول ما دخل
مساء الخير... أنا جاي أقول الحقيقة اللي مستخبية بقالها سنين.
وتحول وجه الحماة إلى اللون الأبيض بالكامل...
يتبع... تبادل الجميع النظرات في صمت ثقيل.
الرجل دخل بخطوات هادئة، لكنه كان واثقاً بشكل أربك الموجودين.
باسم سأله بحدة
حضرتك مين؟
رد الرجل
اسمي عادل... وكنت شغال ساعي في الشركة اللي بعتت خطاب القبول زمان.
شهقت دليلة دون أن تشعر.
أما الحماة فبدأت أصابعها ترتجف.
جلس عادل ووضع الملف الذي يحمله على الطاولة.
ثم قال
يمكن بعد السنين دي كلها محدش فاكرني... لكن أنا فاكر اليوم ده كويس.
نظر مباشرة إلى الحماة.
اليوم اللي سلمت فيه الخطاب بإيدي.
ساد الصمت.
صمت مرعب.
حتى أخوات باسم بطّلوا الكلام.
فتح عادل الملف وأخرج صورة من سجل التسليم القديم.


وقال
يومها لما وصلت البيت، سألت على الآنسة دليلة.
ثم نظر نحو دليلة وأكمل
لكن والدتكِ ما كانتش موجودة.
تنهد قبل أن يكمل
والست دي قالتلي إنها حماتك المستقبلية وإنكم خلاص هتبقوا عيلة واحدة.
كل الأنظار اتجهت نحو الحماة.
أما هي فكانت تحاول تتجنب النظر لأحد.
استلمت الخطاب وقالت إنها هتوصله بنفسها.
قال عادل الجملة الأخيرة ببطء شديد.
ثم أضاف
بعدها بأيام الشركة حاولت تتواصل مع دليلة أكتر من مرة، لكن ماحدش رد.
دليلة شعرت أن الأرض تميد تحت قدميها.
باسم التفت نحو أمه.
الكلام ده صحيح؟
لم ترد.
يا أمي... ردي.
ظل الصمت.
وفجأة...
انفجرت إحدى أخواته بالبكاء.
الجميع التفت إليها.
قالت وهي تبكي
أنا عارفة الحقيقة.
تجمدت الحماة.
اسكتي!
صرخت فيها.
لكن الأخت أكملت وسط دموعها
أنا شفت الخطاب يومها.
شهقت نهى.
أما دليلة فشعرت بقلبها يتوقف.
قالت الأخت
أمي كانت مرعوبة إن دليلة تشتغل وتسافر.
كانت بتقول إن أخويا هيتعلق بيها أكتر.
وكانت خايفة تبقى ناجحة وأقوى مننا كلنا.
الحماة صرخت
كفاية!
لكن لأول مرة لم يستمع لها أحد.
باسم وقف ببطء.
ملامحه كانت تتغير ثانية بعد ثانية.
الرجل الذي كان يدافع عن أمه طول عمره...
بدأ يرى صورة أخرى تماماً.
صورة لم يتخيلها أبداً.
سأل أمه بصوت مبحوح
يعني كل اللي حصل لدليلة كان بسببك؟
لم ترد.
لكن دموعها كانت كافية.
دليلة لم تصرخ.
لم تبكِ.
لم تنتقم.
كانت تنظر فقط.
تنظر إلى المرأة التي حرمتها من حلمها.
ثم جعلتها تخدمها سنوات.
ثم أقنعت ابنها أنها أقل منه.
ثم جعلتها تشك في نفسها.
وأثناء هذا الصمت...
خرجت الحماة فجأة بجملة لم يتوقعها أحد
أنا عملت كده... عشان كنت خايفة.
الجميع صُدم.
قالت بصوت مكسور
خايفة تخديه مني.
ثم نظرت إلى باسم.
أبوك مات بدري... وإنت كنت كل حياتي.
وسكتت للحظة.
ثم أضافت
لكن عمري ما تخيلت إن خوفي هيكسر ناس بالشكل ده.
ساد الصمت من جديد.
لكن هذه المرة...
كان هناك سؤال واحد يدور في رأس الجميع
هل يمكن أن تُغفر خيانة سرقت من دليلة سنوات من عمرها؟
أما
دليلة...
فرفعت الملف بهدوء.
ونظرت إلى باسم نظرة طويلة.
ثم قالت
لسه في حاجة واحدة ماحدش جاوب عليها...
فالتفت الجميع إليها.
وقالت
إذا الخطاب اتخبى عني... يبقى مين كان الشخص اللي عرف بالموضوع وسكت كل السنين دي؟
وعندها فقط...
شحب وجه باسم فجأة.
كأنه تذكر شيئاً كان يحاول نسيانه منذ سنوات...
يتبع... ساد الصمت في البيت كله.
الجميع التفت إلى باسم.
ودليلة كانت تراقب ملامحه بدقة.
لأول مرة منذ بداية المواجهة... بدا عليه الخوف.
الخوف الحقيقي.
قالت دليلة بهدوء
مالك يا باسم؟
ابتلع ريقه بصعوبة.
ثم جلس على الكرسي كأن ساقيه لم تعودا تحملانه.
الحماة رفعت رأسها فجأة نحوه.
ونظرة رعب مرت في عينيها.
كأنها فهمت ما الذي سيتكشف الآن.
قال باسم بصوت منخفض
أنا... افتكرت حاجة.
دليلة شعرت بقلبها ينقبض.
إيه هي؟
أغمض عينيه للحظات.
ثم قال
قبل الجواز بأسبوع تقريباً... كنت عند أمي.
وشفت ظرف عليه اسمك.
شهقت دليلة.
أما الحماة فانهارت على الكرسي.
أكمل باسم
سألت أمي وقتها إيه ده.
قالتلي دي أوراق مالهاش لازمة وإنك قدمتي في حاجة واترفضتي.
سكت قليلاً.
ثم أضاف
وصدقتها.
لكن دليلة كانت تنظر إليه نظرة مختلفة الآن.
نظرة لم تعجبه أبداً.
قالت
بس إنت شفت اسمي.
وشفت الظرف.
ومع ذلك ما سألتنيش.
خفض رأسه.
ولم يجد جواباً.
لأنه لأول مرة في حياته...
أدرك أنه لم يكن مجرد ضحية لأمه.
بل كان شريكاً بصمته.
نزلت دموع باسم.
أنا ماكنتش أعرف إنه قبول.
والله ما كنت أعرف.
ردت دليلة
لكنك ما اهتمتش تعرف.
الجملة أصابته أكثر من أي اتهام.
لأنها كانت الحقيقة.
كل هذه السنوات...
لم يسأل نفسه لماذا تخلت دليلة عن أحلامها.
لماذا انطفأت.
لماذا صارت مجرد ظل للفتاة التي أحبها.
كان مشغولاً بصورة صنعها له الآخرون عنها.
نهى كانت تراقب المشهد في صمت.
ثم قالت فجأة
المشكلة مش في الخطاب بس.
نظر الجميع إليها.
قالت
المشكلة إن دليلة كانت بتتأذى كل يوم قدامنا.
وكلنا سكتنا.
ساد الصمت من جديد.
هذه المرة لم يكن أحد بريئاً بالكامل.
دليلة أخذت نفساً
عميقاً.
ثم جمعت الأوراق وأغلقت الملف.
بهدوء شديد.
هدوء أخاف الجميع.
حتى باسم.
قال
إنتِ ناوية تعملي إيه؟
نظرت إليه طويلاً.
ثم قالت
أول مرة من سنين... هعمل اللي أنا عايزاه.
وفي صباح اليوم التالي...
استيقظ أهل البيت على صوت سيارة تقف أمام المنزل.
خرجت الحماة إلى الشرفة.
وتجمدت مكانها.
ثم بدأت أخوات باسم يخرجن واحدة تلو الأخرى.
أما باسم...
فشعر بقلبه يتوقف عندما رأى المشهد.
كانت سيارة فاخرة تقف أمام البيت.
وخلفها سيارة أخرى.
وأشخاص يرتدون ملابس رسمية.
وكانوا جميعاً ينتظرون شخصاً واحداً.
دليلة.
خرجت دليلة من الباب الرئيسي بثقة.
وفي يدها حقيبة صغيرة.
اقترب منها أحد الرجال وسلمها ملفاً رسمياً.
ثم قال أمام الجميع
مبروك يا فندم.
قرار تعيين حضرتك صدر النهاردة.
ومن الأسبوع الجاي هتبقي المسؤولة عن إدارة المشروع بالكامل.
شهقت الحماة.
أما باسم فبقي ينظر إليها وكأنه يراها لأول مرة.
لكن الصدمة الحقيقية لم تكن الترقية...
بل الشيء الذي قاله الرجل بعدها مباشرة.
شيء جعل دليلة نفسها تتجمد للحظة.
قال الرجل
وفيه شخص طالب يقابل حضرتك شخصياً النهاردة.
سألته
مين؟
ابتسم الرجل وقال
رئيس مجلس الإدارة.
ثم أضاف
وقال يبلغك إن المقابلة دي ليها علاقة بسر قديم جداً يخص والدك الله يرحمه.
وتغير وجه دليلة بالكامل...
لأن والدها توفي وهو يحمل سراً لم يخبرها به أبداً.
وسراً يبدو أنه عاد للظهور الآن...
يتبع... دليلة لم تنم تلك الليلة.
كانت تفكر في جملة واحدة فقط
سر يخص والدك.
في الصباح ذهبت إلى مقر الشركة.
دخلت المكتب الكبير وقلبها يدق بقوة.
وقف رئيس مجلس الإدارة لاستقبالها بنفسه.
رحب بها ثم أشار إلى صورة قديمة معلقة على الحائط.
ولما اقتربت منها شهقت.
الصورة كانت لوالدها.
وهو يقف بجوار مجموعة من المؤسسين الأوائل للشركة.
قال الرجل بابتسامة
أبوك الله يرحمه كان من أنزه الناس اللي اشتغلوا معانا.
نزلت دموع دليلة دون أن تشعر.
وأكمل
قبل وفاته بسنوات ساعد الشركة في أزمة كبيرة، ولما حبينا نكافئه رفض
أي مقابل.
ثم فتح درج مكتبه وأخرج ظرفاً قديماً.
قبل ما يتوفى بمدة قصيرة سلمني الظرف ده.
أخذته دليلة بيد مرتعشة.
كان مكتوباً عليه
إلى بنتي دليلة.
فتحت الخطاب.
وكان أول سطر فيه
لو بتقري الرسالة دي، يبقى ربنا أخيراً رجعلك حقك.
بدأت دموعها تنزل بغزارة.
كان والدها قد كتب
 

تم نسخ الرابط