قصة جديدة

لمحة نيوز


فوق الباب.
وحسيت إن أمي لو كانت موجودة، كانت هتفتخر بيا.
اتعلمت إن الخسارة الحقيقية مش إن مشروع يقفل.
ولا إن جواز ينتهي.
الخسارة الحقيقية إنك تنسى قيمتك عشان ترضي ناس عمرهم ما شافوها.
وأنا أخيرًا...
افتكرت أنا مين.
بعد شهرين من يوم اجتماع مجلس الإدارة اللي قلب حياة عيلة فؤاد كلها، كنت واقفة قدام الواجهة الزجاجية لمكتبي الجديد في الدور الأخير من مقر شركة أوريليون القابضة.
القاهرة كلها كانت تحت رجلي.
العربيات ماشية بسرعة.
الناس رايحة وجاية.
والدنيا مكملة عادي.
الغريب إن حياتي أنا كمان كملت.
بعد ما كنت فاكرة إن الطلاق نهاية، اكتشفت إنه كان بداية.
بقيت بصحى الصبح من غير ما أستنى كلمة تقدير من حد.
من غير ما أخاف أزعل حد.
ومن غير ما أحاول أثبت إني أستحق الحب.
لأول مرة من سنين، كنت حرة.
بس الحرية ليها تمن.
والنجاح ليه أعداء.
وده اللي فهمته لما أستاذ حسام خبط على باب مكتبي ودخل.
وشه كان متوتر.
وده مش من طبعه أبدًا.
قال وهو بيحط ملف قدامي
لازم تشوفي ده.
فتحت الملف.
ولقيت مجموعة تقارير مالية قديمة.
أرقام.
تحويلات.
عقود.
وتوقيعات.
رفعت عيني ليه.
إيه ده؟
قال
كل ده حصل قبل ما أوريليون تشتري المجموعة. لكن فيه حاجة غريبة.
قلب ورقة وقال
فيه فلوس كانت بتتحول لحسابات شركات وهمية بقالها تلات سنين.
سألته
مين المسؤول؟
سكت ثواني.
وبعدين قال
التوقيعات الرسمية باسم فؤاد بيه.
قعدت مكاني.
رغم كل اللي عملوه فيا، ماكنتش متخيلة إن الموضوع يوصل لكده.
سألته
المبلغ كام؟
قال
أكتر من مية وعشرين مليون جنيه.
الرقم وقع عليا زي الصدمة.
لكن الصدمة الأكبر كانت لما كمل
وفي احتمال إن كريم كان عارف.
في اللحظة دي، افتكرت كلام رنا.
ماينفعش تفضل شايل حاجات قديمة معاك وإنت داخل على مستقبل محتاج ناس أقوى.
واضح

إن المستقبل اللي كانوا بيجهزوله كان أكبر بكتير من مجرد خيانة.
كان سرقة.
ونصب.
وفساد.
قفلت الملف بهدوء.
وقلت
هنراجع كل حاجة.
ومن غير استثناءات.
حتى لو اللي هيقعوا ناس كنت أعرفهم يومًا ما.
خلال أسبوعين، الشركة كلها كانت شغالة مراجعات.
محدش عارف التفاصيل.
لكن التوتر كان مالي المكان.
وفي نفس الوقت، ليورا كانت بتكبر بسرعة.
أول فرع في المنتجع حقق نجاح كبير.
والطلبات زادت بشكل ماكنتش متخيلته.
كريم عادل دخل عليا المكتب يومها وقال بابتسامته المعتادة
أخيرًا رجعتي سارة اللي كنت أعرفها.
ضحكت.
يمكن دي أول مرة أكون نفسي بجد.
لكن الهدوء ماكملش.
لأن سكرتيرتي بلغتني إن كريم مستني تحت.
بصيتلها باستغراب.
كريم؟
هزت راسها.
وبيقول الموضوع ضروري.
فكرت أرفض.
لكن وافقت.
دخل بعد دقايق.
كان مختلف.
وشه مرهق.
وعنيه مليانة قلق.
أول ما قعد، قال
محتاج أتكلم معاكي.
رديت ببرود
اتفضل.
سكت شوية.
وبعدين قال
أنا غلطت.
ما رديتش.
كمل
رنا استغلتني.
ضحكت ضحكة قصيرة.
بجد؟
نزل عينه في الأرض.
أنا استاهل سخريتك.
بس صدقيني، الموضوع خرج عن إيدي.
بصيتله بثبات.
الخيانة عمرها ما بتخرج من إيد حد يا كريم. دي قرار.
اتنهد.
أنا ماحبتهاش.
قلت بسرعة
دي مش مشكلتي.
سكت شوية.
وبعدين قال
فيه حاجات لازم تعرفيها.
اهتميت.
زي إيه؟
بص حواليه كأنه خايف.
وقال بصوت واطي
أبويا متورط مع ناس خطر.
ناس مش هتسيبه يقع لوحده.
حسيت بقلبي بيدق أسرع.
لكني حافظت على هدوئي.
تقصد إيه؟
التحويلات اللي اكتشفتوها دي مش كل حاجة.
فيه عقود مزورة.
وأصول اتباعت على الورق بس.
وفيه ناس ممكن تأذيك عشان الملفات دي ماتطلعش.
بصيتله كويس.
ولأول مرة من شهور، شفت الخوف الحقيقي في عينه.
لكن حتى خوفه ماقدرش يمحي اللي عمله.
قلت بهدوء
لو كنت عرفت كل ده، ليه سكت؟
سكت
ثواني طويلة.
وبعدين قال
لأني جبان.
وماقدرتش أنكر.
لأول مرة، كان صادق.
لكن الصدق المتأخر مابيصلحش الخراب.
قومت وقفت.
لو عندك معلومات، ابعتها للمحامي.
غير كده، مفيش كلام بينا.
وقف بسرعة.
سارة...
رفعت إيدي.
اللي بينا انتهى يوم ما ضحكت وإنت شايفني بوقع.
خرج من المكتب.
وما بصش وراه.
في نفس الليلة، جالي اتصال من رقم غريب.
رديت.
صوت راجل قال
ابعدي عن ملفات فؤاد بيه.
قفلت السكة فورًا.
لكن إيدي كانت بتترعش.
أول مرة أخاف بجد.
تاني يوم، قدمت بلاغ رسمي.
وشددنا إجراءات الأمان.
وأستاذ حسام نقل كل الملفات المهمة لخزنة إلكترونية.
لكن المفاجأة كانت في كاميرات المراقبة.
لما راجعنا التسجيلات، اكتشفنا إن رنا دخلت الأرشيف قبل إيقافها بيوم واحد.
واخدت ملفات.
كتير.
بدأنا ندور عليها.
لكنها اختفت.
تليفونها مقفول.
وشقتها فاضية.
كأنها اتبخرت.
عدى أسبوع كامل.
لحد ما جالي اتصال من رقم دولي.
رديت بحذر.
وكانت رنا.
قالت بصوت متوتر
أنا عايزة أقابلك.
ضحكت بسخرية.
بعد كل اللي عملتيه؟
قالت بسرعة
لو ماقابلتنيش، هتخسري كل حاجة.
ورغم إني ماكنتش عايزة أشوفها، وافقت.
اتقابلنا في كافيه هادي.
أول ما شفتها، عرفتها بالعافية.
كانت مرهقة.
وخايفة.
قعدت قدامي وقالت
أنا هسلمك كل الملفات.
ضيقت عيني.
ليه؟
قالت وهي بتبص حواليها
لأنهم هيخلصوا مني.
سألتها
مين؟
ردت بصوت مرتعش
الناس اللي فؤاد بيشتغل معاهم.
وحكتلي كل حاجة.
إزاي بدأت تشتغل مع كريم عشان تقرب من العيلة.
وإزاي اكتشفت بالصدفة عمليات غسيل الأموال.
وإزاي فؤاد استخدمها تنقل عقود وأوراق.
وإزاي لما حاولت تبعد، هددها.
قالت وهي بتعيط
أنا غلطت في حقك.
وأذيتك.
بس ماكنتش متخيلة الموضوع هيكبر كده.
بصيتلها.
ماقدرتش أسامحها.
لكن صدقتها.
سلمتني فلاشة صغيرة.
وقالت
كل حاجة
هنا.
أخدتها وقومت.
قبل ما أمشي، قالت
خلي بالك من نفسك.
تاني يوم، بعد مراجعة الملفات، اتأكدنا إن الأدلة كفاية.
النيابة فتحت تحقيق رسمي.
وتم استدعاء فؤاد وكريم.
أما ميرفت، فكانت أول واحدة تتخلى عن الكل.
خرجت في الإعلام تقول إنها ماكنتش تعرف حاجة.
لكن محدش صدقها.
التحقيقات استمرت أسابيع.
وخلالها، اتجمدت حسابات كتير.
واتقبض على شركاء كبار.
أما كريم، فقدم كل المعلومات اللي عنده مقابل تخفيف مسؤوليته.
ويمكن لأول مرة في حياته، اختار يعمل الصح.
بعد شهور، صدر الحكم.
فؤاد اتحكم عليه بالسجن.
وشركاته القديمة اتحلت.
أما كريم، فخد حكم مع إيقاف التنفيذ وتغريم مالي كبير بسبب تعاونه.
ورنا سافرت بره مصر وبدأت حياة جديدة بعيد عن كل حاجة.
وفي يوم هادي، بعد انتهاء كل القضايا، كنت واقفة قدام الفرع الرئيسي الجديد لليورا.
خمس فروع اتفتحوا في سنة واحدة.
والبراند بقت معروفة.
كريم عادل وقف جنبي وقال
فخورة بنفسك؟
بصيت للناس الداخلة والخارجة.
وللبنات اللي لابسين تصميماتي.
ولاسمي المنور فوق الباب.
وابتسمت.
أيوة.
أوي.
سألني
ندمانة على أي حاجة؟
فكرت شوية.
وبعدين هزيت راسي.
لأ.
لأن كل وجع عديت بيه وصلني لهنا.
ابتسم وقال
تستاهلي كل الخير.
بصيتله.
ولأول مرة، حسيت إني شايفة حد بيبصلي من غير مصلحة.
من غير مقارنة.
من غير شروط.
مجرد تقدير.
ومع الوقت، قربنا من بعض.
براحة.
من غير استعجال.
ومن غير خوف.
لأني اتعلمت إن الحب الحقيقي عمره ما بيطلب منك تصغري نفسك عشان تكبري حد تاني.
وفي آخر يوم من السنة، رجعت البيت.
فتحت درج قديم كنت حاطة فيه قسيمة الطلاق.
بصيت لاسمي.
سارة منصور فؤاد.
وشطبت كلمة فؤاد بقلم أسود.
وقفلت الدرج.
لأن الست اللي كانت مستنية التقدير من عيلة كاملة اختفت.
والمكان بقى لسارة منصور وبس.
سارة
اللي وقعت وقامت.
واتكسرت واتعلمت.
وخسرت ناس، لكنها كسبت نفسها.
وأدركت إن أقوى انتقام مش إنك تهد اللي ظلمك.
أقوى انتقام إنك تنجح من غيره.
وتعيش مبسوط، كأن وجعه ما بقاش يهمك.
رفعت عيني للسما من البلكونة.
وابتسمت.
لأول مرة من سنين طويلة...
حسيت إني وصلت.
تمت.

 

تم نسخ الرابط