قصة جديدة

لمحة نيوز

محكمة القلوب بقلم نرمين عادل همام
في قاعة الثريا بأفخم فنادق القاهرة، كان الجو آخر شياكة. نجفة كريستال عملاقة مدلدلة من السقف كأنها بتطرح نور، ريحة البرفانات الغالية مالية المكان، وصواني العصير وال سواريه بتلف بين هوانم وباشوات المجتمع.
فجأة، المزيكا الهادية انقطعت بصرخة مكتومة. كريم، ببدلته السليم وضحكته اللي كانت مالية الوش، اتحول في ثانية لوحش. مد إيده بغل ومسك شعر مراته سارة.. وبحركة سريعة ومقززة، شد الباروكة من فوق راسها ورماها في سلة الزبالة اللي جنب البار، كأنه بيرمي خرقة قديمة ملهاش عازة.
جنبه كانت واقفة ريم، بستانها الأحمر الضيق، رفعت كاس العصير وابتسمت ابتسامة صفرا، عيونها كانت بتقول الدور عليكي انتهى.
القاعة اتكهربت. الجرسونات اتسمروا في مكانهم، والمعازيم اللي كانوا بيضحكوا، كتموا أنفاسهم. الكل بص لسارة.. سارة اللي كانت دايمًا أيقونة الشياكة.
إيد سارة طلعت تلقائيًا لراسها.. لمست الفراغات اللي سابها التعب والتوتر تحت النور الأبيض القوي. كانت لحظة كسرة كفيلة تموت أي ست، بس سارة عملت اللي محدش توقعه.
ما صرختش.. ما عيطتش.. ملمتش الباروكة من الزبالة وتدارت. رفعت دقنها لفوق، وبكل ثبات وبخطوات هوانم بجد، مشيت وسط الزحمة. السكوت اللي صاحب مشيتها كان أرعب

من أي فضيحة. الناس وسعت لها وهي ماشية، والكل كان بياكل من الأصناف اللي هي طبخاها ب عرق جبينها.
الحفلة دي كانت حفلة شركتها للأكل.. المعازيم بيمدحوا فيه، كان وصفة هي سهرت عليها.. كان حلم بنته من الصفر، والنهاردة كريم قرر يهده قدام الكل.
الحكاية بدأت من 7 سنين. سارة كانت نحلة؛ الصبح شغل في شركة، وبالليل دبلومة إدارة أعمال عشان تحقق حلم مشروع الأكل. وهناك قابلت كريم. كريم كان بُق؛ كلامه معسول، لبسه منمّق، وعنده قدرة يقنعك إن البحر طحينة. دخل لها من مدخل السند والحب، واتجوزوا وهما على فيض الكريم.
بدأوا من شقة صغيرة في منطقة شعبية، فرن مستعمل، وكشكول وصفات قديم ورثته عن جدتها. سارة كانت بتطبخ لحد ما إيدها تتورم، وكريم كان الواجهة؛ يلبس الشيك، يقابل الزباين، ويجيب العقود.
لما الشغل كبر وبقى براند معروف، وبنتهم مريم نورت الدنيا، كريم اتغير. الفلوس جرت في إيده، وبدل ما يقول نجاحنا، بقى يقول شركتي.. اسمي.. فلوسي. ولما كانت سارة تسأل عن الموبايل التاني أو السهر، كان بيرد ببرود إنتي آخرك المطبخ يا سارة، البيزنس له ناسه.. وإنتي مش هتفهمي.
أكبر وجع في حياة سارة كان بُعدها عن أمها. مدام نادية، والدة سارة، كانت قاضية أسرة سابقة.. ست حديدية وبتقرأ البني آدمين من نظرة عين. من
أول يوم شافت فيه كريم، قالت لبنتها يا سارة، الراجل ده سمّ في عسل.. عينه مش شبعانة، وبكره يبيعك في أول محطة.

كريم عرف يلعب اللعبة صح. بدأ يوسوس في ودن سارة أمك عايزة تمشينا على عجين مابيلخبطوش. أمك بتغير من نجاحنا وعايزة تطلقنا. 
وشوية بشوية، سارة قفلت بابها في وش أمها. بطلت تزورها، وبطلت ترد على تليفوناتها.
بس الأم عمرها ما قسيت. كل شهر، كان بيوصل لسارة ظرف لونه كريمي شيك، مكتوب عليه بخط اليد الرصين لما الدنيا تضيق بيكي.. أنا لسه واقفة في مكاني.. مستنياكي. سارة كانت بترمي الجوابات في درج المكتب مقفولة.. كأنها بتهرب من الحقيقة.
قبل الحفلة بيومين، سارة كانت بتدور على ملف حسابات قديم على لاب توب كريم. لفت نظرها ملف متداري في فولدر فرعي، اسمه بداية جديدة
افتكرت إنه بيجهز لها مفاجأة بمناسبة مرور سنين على الشركة، فتحته بلهفة.. بس الصدمة كانت كفيلة توقف قلبها. الملف مكنش فيه صور ذكريات ولا خطط توسع.. الملف كان فيه
عقود تنازل عن أصول الشركة لشركة تانية وهمية باسم ريم.
تقرير طبي مزيف بيدعي إن سارة بتعاني من انهيار عصبي وغير مؤهلة لحضانة بنتها مريم.
تذاكر طيران لشخصين كريم وريم لليلة اللي بعد الحفل الخيري.
في اللحظة دي، سارة عرفت إن الباروكة اللي لبستها عشان
تداري تساقط شعرها من كتر الإجهاد، مش هي الحاجة الوحيدة اللي كريم عايز يقلعها لها.. هو عايز يقلعها حياتها، اسمها، وبنتها.

سارة قفلت اللاب توب بهدوء مرعب. مسحت دموعها، وفتحت درج المكتب.. وطلعت الظرف الكريمي الأخير.. وفتحته.
أم سارة سحبت الميكروفون بوقار، وبصت للقاعة كلها بهدوء يخوّف.. الهدوء اللي بيسبق النطق بالحكم. وقالت بصوت واثق أنا قضيت 32 سنة من عمري على منصة محكمة الأسرة، وشوفت أسوأ ما في البشر.. بس اتعلمت إن أسوأ واحد مش هو اللي بيسرق فلوس، أسوأ واحد هو اللي بيسرق أمان ست، ويبعدها عن أهلها، ويقنعها إنه هو الحقيقة الوحيدة في الكون.
القاعة بقت صمت قبور. فتحت الملف اللي في إيدها وكملت كل الورق ده دلوقت في إيد النيابة.. التوقيعات المزورة اتفحصت، والحسابات اللي اتسحبت اتعرفت راحت فين، واللعبة خلصت. بصت لكريم نظرة أخيرة وقالت ببرود الحقيقة مش محتاجة صوت عالي يا كريم بيه.. الحقيقة بس محتاجة المكان الصح.. والوقت الصح.
كريم كان واقف بيصغر جوه بدلته الغالية، وريم إيديها كانت بتترعش وهي بتحط الكاس من إيدها وعايزة تهرب.. بس مفيش حد وسّع لها طريق. مفيش حد شتم، ومفيش حد اتكلم.. بس نظرات الاحتقار كانت أمضى من أي سلاح.
بعد الحفلة بأيام، الإمبراطورية الورقية اللي بناها كريم
وقعت

حسابات الشركة اتجمدت، والتزوير اتكشف.
ريم اختفت كأن الأرض انشقت
 

تم نسخ الرابط