قصة جديدة
وبلعتها؛ قفلت تليفوناتها، مسحت صورها، وهربت من الفضيحة.
كريم خسر كل حاجة؛ سُمعته، أصحابه، وحتى المحامي بتاعه سابه لما لقى القضية خسرانة.
كريم قلع سارة الباروكة عشان يكسرها، بس هو في الحقيقة قلع قناع الرجولة المزيف اللي كان لابسه.
بس الغريب إن زباين الشركة مسابوش سارة.. بالعكس، راحوا لها هي، لأنهم عارفين إن النَفَس الحلو في الأكل كان نَفَسها هي، مش كلام كريم المعسول.
الساعة 5 الفجر.. الوقت اللي سارة بتعشقه. دخلت المطبخ الكبير بتاع شركتها، والمرة دي.. مكنتش لابسة باروكة. شعرها كان قصير جدًا بعد رحلة العلاج من الكانسر، بس كان ناعم وطبيعي وحر.. وحبت شكله في المراية لأول مرة. نسمة الهوا الصبح كانت بتداعب راسها، وحست إنها مش محتاجة تستخبى من حد تاني.
أمها كانت قاعدة جنب الشباك، بنضارتها، بتراجع عقود الشغل الجديد.. مش عشان تتحكم، ولا عشان تقول أنا قلت لك، بس عشان تكون السند اللي سارة اتحرمت منه سنين.
فجأة، مريم الصغيرة جريت على أمها، حضنتها من وسطها، ولمست شعرها القصير وقالت بضحكة صافية إنتي حلوة أوي كدة يا ماما.. شبه البرنسيسات في الحواديت.
سارة ابتسمت وهي بتبص على الترابيزة.. كان فيه فنجان قهوة سادة، وجنب منه الجوابات القديمة.. الجوابات اللي أمها بعتتها لها
بره، القاهرة كانت بتصحى.. وجوه المطبخ، كان فيه ريحة زبدة وفانيليا وعيش طالع من الفرن.. ريحة بداية جديدة. سارة فضلت تعجن العجينة بهدوء، حاسة بقوة إيديها ونفسها الهادي.. وفكرت في سرها أحيانًا قسوة الناس بتاخد منك حاجات.. بس الحقيقة إنها بتشيل من حياتك الزيادات اللي كنتِ فاكرة إنك محتاجاها.. اللي حاول يكسرك قدام الناس، هو نفسه اللي كشف لك مين بيحبك بجد.. ومين بيكتب لك رسايل حب حتى وإنتي قافلة قلبك.
مسحت دمعة هربت من عينها، وبصت لأمها وقالت بابتسامة صافيه ماما.. أنا بجد رجعت.
النهاية.
في قاعة الثريا بأفخم فنادق القاهرة، كان الجو آخر شياكة. نجفة كريستال عملاقة مدلدلة من السقف كأنها بتطرح نور، ريحة البرفانات الغالية مالية المكان، وصواني العصير وال سواريه بتلف بين هوانم وباشوات المجتمع.
فجأة، المزيكا الهادية انقطعت بصرخة مكتومة. كريم، ببدلته السليم وضحكته اللي كانت مالية الوش، اتحول في ثانية لوحش. مد إيده بغل ومسك شعر مراته سارة.. وبحركة سريعة ومقززة، شد الباروكة من فوق راسها ورماها في سلة الزبالة اللي جنب البار، كأنه بيرمي خرقة قديمة ملهاش عازة.
جنبه كانت واقفة ريم، بستانها الأحمر الضيق، رفعت كاس العصير وابتسمت ابتسامة
القاعة اتكهربت. الجرسونات اتسمروا في مكانهم، والمعازيم اللي كانوا بيضحكوا، كتموا أنفاسهم. الكل بص لسارة.. سارة اللي كانت دايمًا أيقونة الشياكة.
إيد سارة طلعت تلقائيًا لراسها.. لمست الفراغات اللي سابها التعب والتوتر تحت النور الأبيض القوي. كانت لحظة كسرة كفيلة تموت أي ست، بس سارة عملت اللي محدش توقعه.
ما صرختش.. ما عيطتش.. ملمتش الباروكة من الزبالة وتدارت. رفعت دقنها لفوق، وبكل ثبات وبخطوات هوانم بجد، مشيت وسط الزحمة. السكوت اللي صاحب مشيتها كان أرعب من أي فضيحة. الناس وسعت لها وهي ماشية، والكل كان بياكل من الأصناف اللي هي طبخاها ب عرق جبينها.
الحفلة دي كانت حفلة شركتها للأكل.. المعازيم بيمدحوا فيه، كان وصفة هي سهرت عليها.. كان حلم بنته من الصفر، والنهاردة كريم قرر يهده قدام الكل.
الحكاية بدأت من 7 سنين. سارة كانت نحلة؛ الصبح شغل في شركة، وبالليل دبلومة إدارة أعمال عشان تحقق حلم مشروع الأكل. وهناك قابلت كريم. كريم كان بُق؛ كلامه معسول، لبسه منمّق، وعنده قدرة يقنعك إن البحر طحينة. دخل لها من مدخل السند والحب، واتجوزوا وهما على فيض الكريم.
بدأوا من شقة صغيرة في منطقة شعبية، فرن مستعمل، وكشكول وصفات قديم ورثته عن جدتها.
لما الشغل كبر وبقى براند معروف، وبنتهم مريم نورت الدنيا، كريم اتغير. الفلوس جرت في إيده، وبدل ما يقول نجاحنا، بقى يقول شركتي.. اسمي.. فلوسي. ولما كانت سارة تسأل عن الموبايل التاني أو السهر، كان بيرد ببرود إنتي آخرك المطبخ يا سارة، البيزنس له ناسه.. وإنتي مش هتفهمي.
أكبر وجع في حياة سارة كان بُعدها عن أمها. مدام نادية، والدة سارة، كانت قاضية أسرة سابقة.. ست حديدية وبتقرأ البني آدمين من نظرة عين. من أول يوم شافت فيه كريم، قالت لبنتها يا سارة، الراجل ده سمّ في عسل.. عينه مش شبعانة، وبكره يبيعك في أول محطة.
كريم عرف يلعب اللعبة صح. بدأ يوسوس في ودن سارة أمك عايزة تمشينا على عجين مابيلخبطوش. أمك بتغير من نجاحنا وعايزة تطلقنا.
وشوية بشوية، سارة قفلت بابها في وش أمها. بطلت تزورها، وبطلت ترد على تليفوناتها.
بس الأم عمرها ما قسيت. كل شهر، كان بيوصل لسارة ظرف لونه كريمي شيك، مكتوب عليه بخط اليد الرصين لما الدنيا تضيق بيكي.. أنا لسه واقفة في مكاني.. مستنياكي. سارة كانت بترمي الجوابات في درج المكتب مقفولة.. كأنها بتهرب من الحقيقة.
قبل الحفلة بيومين، سارة كانت بتدور على