هصلح ليك السور بقلم الهواري
هصلح لك السور من غير ولا مليم.
منصور عاش سنين من عمره وهو بيجري ورا المشاكل اللي مابتخلصش في مزرعته.. بقرة عيانة، طلمبة مية عطلانة، سقف بيزيق من الهوا. الوحدة أكلت منه حتة، وخلته راجل قليل الكلام، قليل العشم، وشكاك في كل اللي حواليه. الأرض نشفت قلبه، بس ماموتتش فيه الأصول.
وهو بيوطي يشيل خشب مكسور من السور، سمع صوت خطوات وراه. لف بسرعة ب حس الراجل اللي عايش في الخلاء وعارف إن ماحدش بيعدي من الطريق ده في وقت الغروب. على بعد كام متر، شاف خيالين.. ست لافة شال قديم حولين كتافها، وماسكة في إيد بنت صغيرة بكل قوتها، كأنها خايفة تضيع منها في الهوا.
لما قربوا، منصور شاف الهم مرسوم على وشوشهم قبل أي حاجة.. وبعد الهم، شاف الرعب. الست كانت رفيعة ووشها جميل بس التعب طفى نوره، والبنت كان شعرها منكوش وعينيها واسعة بس مافيهاش براءة الأطفال.. فيها نظرة حد مستني كارثة تحصل في أي لحظة.
وقفوا قدامه، وصوت الهوا وهو بيعدي من السور المكسور كان مسموع.
يا حاج.. الست نطقت أخيراً بصوت واطي وموزون. إحنا شفنا أرضك من الطريق.. مامعناش حاجة، بس نقدر نشتغل.. محتاجين بس مكان نبيّت فيه ليلتنا.
منصور ماردش قوام. فضل يبص لهم في سكات. هو ماكنش راجل قاسي،
وقبل ما ينطق بكلمة، الست خدت خطوة لقدام وقالت بنبرة فيها رجاء وتقول
أنا هصلح لك السور ده بإيدي ومن غير ولا مليم.. بس عندي شرط واحد.
منصور استغرب وعقد حواجبه شرط إيه ده يا بنتي؟
الست خدت نَفَس طويل كأن الكلام تقيل على لسانها وقالت
بس الست مانزلتش عينها من عليه. أما البنت، فوطت راسها واستخبت في لبس أمها أكتر.
وفي اللحظة دي، منصور حس إن السور المكسور مابقاش هو المشكلة.. فيه حاجة تانية مكسورة قدامه، حاجة مابتتصلحش بالشاكوش والمسامير. حاجة هاربة.. وحاجة ماكنش يعرف إنها هتغير حياته وهتخليه يفهم يعني إيه كلمة بيت من أول وجديد.
تفتكروا الست دي بتهرب من مين؟
منصور فضل واقف شوية، ساكت الكلمة وقفت على طرف لسانه ومش راضية تخرج. الطلب غريب، بس اللي أغرب منه هو الخوف اللي باين في عيني الست مش خوف منه هو ده خوف من حاجة جاية وراهم.
شد نفس طويل وقال بنبرة تقيلة ادخلوا.
الست ما استنتش تاني. مسكت إيد البنت ودخلوا بسرعة كأنهم بيهربوا من حد واقف على الباب. منصور قفل وراهم، وبص ناحية الطريق الدنيا كانت هادية زيادة عن اللزوم، الهدوء اللي
جوا، البيت كان بسيط أوضة كبيرة فيها سرير خشب قديم، كنبة، وترابيزة عليها لمبة جاز. البنت فضلت لازقة في أمها، عينيها بتلف في المكان كأنها بتتأكد إن مفيش حد مستخبي.
الست قالت وهي بتحاول تبان طبيعية ربنا يكرمك يا حاج إحنا مش هنتعبك.
منصور رد ببرود اسمك إيه؟
سكتت لحظة وبعدين قالت سلمى.
والبنت؟
البنت رفعت عينيها بسرعة، قبل ما أمها ترد مها.
صوتها كان واطي بس واضح. منصور لاحظ حاجة البنت مش خايفة منه هي خايفة من حاجة تانية.
قعدوا ياكلوا لقمة بسيطة، ومنصور مراقبهم. كل حركة، كل نظرة خصوصًا لما سمع صوت بعيد صوت عربية معدية على الطريق.
في اللحظة دي، سلمى اتجمدت.
إيدها مسكت في هدوم بنتها بقوة، ومها قربت منها أكتر ومن غير ما حد يقول كلمة، النور في عينيهم اتحول لرعب صريح.
منصور قام وقف فجأة، وخرج لباب البيت يبص. العربية عدّت ومكملتش بس الإحساس فضل.
رجع بص لهم مين اللي وراكم؟
سلمى هزت راسها بسرعة مفيش محدش.
لكن البنت، مها، قالت فجأة وهي بصاله هيكذبوا عليك وهييجوا.
سلمى بصتلها بحدة اسكتي!
لكن الكلمة خرجت خلاص ومنصور فهم إن الموضوع أكبر من ست غلبانة وبنتها.
الليل نزل، والهوا بقى أشد. السور المكسور بيخبط في بعضه كأنه بينادي.
وقت النوم،
لكن قبل ما يطفي النور، قال لو حد جِه أنا مش هسلمكم لحد.
سلمى بصتله لأول مرة بنظرة مختلفة فيها امتنان، وفيها خوف أكبر.
مش هتعرف تمنعهم يا حاج
مين هما؟
سكتت لكن مها ردت، بصوت شبه الهمس
أبويا.
الصمت نزل تقيل.
ومنصور حس إن الليلة دي مش هتعدي على خير.
وفجأة
خبط!
صوت قوي على باب البيت.
وبعده صوت راجل جهوري من برّه
افتح يا منصور عارف إنهم عندك!
منصور قلبه دق لأنه عرف الصوت.
صوت واحد عمره ما كان يتمنى يسمعه هنا.
واحد ملوش كبير.
وساعتها بس، فهم ليه الست أصرت تنام في النص
مش علشان تحمي نفسها منه
لكن علشان تحمي بنتها من اللي برا منصور قلبه كان بيدق جامد بس وشه فضل جامد زي الصخر.
بص لسلمى، لقاها باصة له برجاء صامت وإيديها متشبته في مها كأنها لو سابتها لحظة هتتخطف منها.
الخبط رجع تاني أعنف.
افتح يا منصور! ما تجبرنيش أكسر الباب!
منصور رد بصوت عالي وهو واقف مكانه اللي له عندي حاجة ييجي بكرة!
برّه سكتوا لحظة وبعدين صوت الراجل رجع، أهدى بس أخطر دول مش ضيوفك يا منصور دي مراتي وبنتي.
الكلمة وقعت تقيلة جوه الأوضة.
مها دفنت وشها في حضن أمها، وسلمى عينيها دمعت
همست كذاب عمره ما كان أب.
منصور قرب