هصلح ليك السور بقلم الهواري

لمحة نيوز


هادي بس الهدوء ده كان تقيل، تقيل كأنه شايل وراه مصيبة.
عند السور التراب متبهدل، والزرع مداس، وصوت أنفاس متقطعة هو الوحيد اللي مسموع.
منصور واقع على ركبته إيده بتنزل دم، ونفسه طالع بالعافية.
قدامه الراجل مرمي على الأرض، بيتأوه مش ميت بس مكسور.
الرجالة اللي كانوا معاه؟
جروا أول ما شافوا الدم، أول ما حسوا إن اللي قدامهم مش سهل.
منصور حاول يقف ساند على الفأس وبص حواليه.
مفيش حد.
سكت شوية وبعدين قال لنفسه هربوا الحمد لله.
لكن قبل ما يتحرك خطوة
صوت واطي طلع من الأرض
فاكر إنك كسبت؟
الراجل لسه صاحي.
بيرفع وشه بالعافية وبيبص لمنصور بنظرة كلها كره.
هترجع غصب عنهم عشان اللي في الخزنة مش مجرد فلوس.
منصور قرب منه، وقال يبقى خليك عايش وقولّي.
الراجل ضحك رغم ألمه أبوها كان مسجل كل حاجة ورق يودّي ناس كتير في داهية وأنا أولهم.
منصور سكت بدأ يفهم.
يعني مش عايز البنت ولا الست.
أنا عايز اللي معاهم الدليل.
هنا منصور افتكر نظرة سلمى خوفها وشرطها إنها تنام في النص.
مكانتش خايفة من الراجل بس
كانت خايفة من الحقيقة اللي مع بنتها.
على الناحية التانية
سلمى ومها وصلوا لطريق

ترابي بعيد وقفوا ينهجوا.
مها قالت المفتاح مش مهم صح؟
سلمى مسكت وشها بإيديها أهم حاجة الورق.
مها هزت راسها وبعدين طلعت من جيبها حاجة صغيرة ملفوفة في قماش.
فلاشة.
أنا خدتها قبل ما نهرب.
سلمى دموعها نزلت إنتي أنقذتينا.
رجوعًا عند منصور
صوت عربية شرطة بدأ يقرب واضح إن حد سمع صوت ضرب النار.
الراجل حاول يقوم، لكن منصور وقف قدامه الليلة دي خلصت.
لسه قالها وهو بيبتسم ابتسامة مكسورة.
لكن الصوت كان بيقرب والأنوار ظهرت.
منصور رفع إيده وسلّم نفسه.
بعد ساعات
الشمس طلعت.
والأرض رجعت هادية كأن حاجة ما حصلتش.
لكن منصور كان قاعد قدام القسم إيده متربطة بشاش.
وفجأة
شافهم.
سلمى ومها.
واقفِين قدامه.
سلمى قالت بهدوء مبلغناش عنك.
منصور استغرب ليه؟
مها ابتسمت ابتسامة صغيرة عشان إنت عملت اللي محدش عمله.
سلمى كملت والحقيقة بقت عند المكان الصح.
فين؟
النيابة.
منصور فهم اللعبة انتهت.
الراجل وكل اللي زيه خلاص.
سكتوا لحظة
وبعدين سلمى قالت معندناش مكان نروحله.
مها بصت له ينفع نرجع نكمل تصليح السور؟
منصور بص لهم وبص ليده المتجرحة وبعدين ابتسم لأول مرة من سنين
السور يتصلح بس المرة
دي مش لوحدي.
مها جريت ناحيته حضنته.
وسلمى وقفت وبصت للبيت البعيد.
البيت اللي من كام ساعة كان مجرد مأوى
دلوقتي بقى بداية.
ومنصور الراجل اللي كان فاكر إن الأرض نشفت قلبه
اكتشف إن البيت مش جدران
البيت ناس تخاف عليهم ويخافوا عليك. عدّت أيام
والهدوء رجع للمزرعة بس مش نفس الهدوء القديم.
المكان بقى فيه صوت تاني صوت ضحكة مها، وحركة سلمى وهي بتنضف وتظبط، وكأن البيت اللي كان ميت بدأ يعيش من جديد.
منصور واقف عند السور نفس السور اللي بدأت عنده الحكاية.
لكن المرة دي مش لوحده.
مها واقفة جنبه، ماسكة مسمار وبتقول بحماس كده صح؟ ولا أميله شوية؟
منصور ابتسم لا كده تمام إيدك بقت تتعلم.
سلمى كانت واقفة بعيد شوية، بتبص عليهم وفي عينيها راحة غريبة راحة عمرها ما حستها.
لكن فجأة
صوت عربية وقفت برا.
التلاتة بصوا لبعض.
اللحظة دي رجّعت كل الخوف تاني.
منصور شد جسمه وبص ناحية الباب.
خليكم ورايا.
الباب خبط خفيف المرة دي مش بعنف زي قبل.
منصور فتح بحذر
قدامه كان واقف راجل لابس بدلة ومعاه ملف.
أستاذ منصور؟
أيوه.
أنا من النيابة.
سلمى قلبها وقع.
الراجل كمل جايين نبلّغك إن الراجل
اللي اتقبض عليه اعترف بكل حاجة.
مها مسكت إيد أمها.
وكل اللي في الفلاشة اتأكد فيه قضايا كبيرة هتتفتح.
منصور سأل واحنا؟
الراجل ابتسم ابتسامة خفيفة إنتوا شهود. ومفيش أي تهمة عليكم.
سلمى دموعها نزلت بس المرة دي مش خوف راحة.
بعد ما الراجل مشي
البيت سكت لحظة.
وبعدين مها قالت يعني خلاص؟ مفيش حد هييجي تاني؟
منصور بص للسماء وقال خلاص.
لكن الحقيقة إنه كان حاسس بحاجة تانية
مش خوف
مسؤولية.
في الليل
قعدوا التلاتة على الأرض، بياكلوا عيش وجبنة، زي أول ليلة
بس الفرق إن مفيش رعب مفيش جري مفيش حد بيستخبى.
مها ضحكت فجأة أنا أول مرة أنام من غير ما أصحى مفزوعة.
سلمى بصتلها وابتسمت وأنا أول مرة أحس إني آمنة.
وسكتت شوية وبعدين بصت لمنصور وإنت؟
منصور فكر لحظة وبعدين قال أول مرة أحس إن البيت مش فاضي.
عدّى شهر
السور اتصلّح.
الأرض بدأت تخضر.
وصوت الحياة بقى أعلى من صوت الوحدة.
وفي يوم
مها كانت بتجري في الأرض، وبتنادي يا بابا منصور!
الكلمة خرجت منها عفوي
وسكتت بعدها خايفة.
لكن منصور ما اتضايقش
ابتسم وقال تعالي يا بنتي.
سلمى سمعت الكلمة ودموعها نزلت في هدوء.
وفي نفس المكان
اللي
بدأ فيه كل شيء
السور واقف ثابت.
بس الحقيقة
اللي اتصلّح مش كان السور
كان قلوب اتكسرت ورجعت تعيش من تاني.

 

تم نسخ الرابط