قصة جديدة
المحتويات
الأولى، كان الناس بيقولوا لنا اهدو بس.. الموضوع بييجي بالراحة، متبقوش مستعجلين، لسه في أول جوازكم.
دخلنا في السنة الثانية، وبدأ الكلام يتغير
إيه يا هنا، مفيش حاجة جاية في السكة؟ طب جربتي تتابعي مع دكتورة كويسة؟ طب جربتي تحسبي أيام التبويض بالظبط؟
الأسئلة بدأت تنهش في هدوئي، وإيهاب بدأ انشغاله بالشغل يزيد، وكأن الهروب في العقود والمقاولات كان أسهل بكتير من إنه يواجه نظرة القلق اللي في عيني كل شهر.
في السنة التالتة، الناس بطلت تتكلم خالص. السكوت بيبقى أحياناً أصعب من الأسئلة. محدش بيقولك ال تأخير بيعمل إيه في الأيام العادية. الكل بيتكلم عن دكاترة النساء والتوليد، والحقن، والمصاريف، والتحاليل..
لكن محدش بيتكلم عن وقفتك في الصيدلية جنب واحدة بتشتري بامبرز وتحسي إن قلبك اتعصر تاني. محدش بيتكلم عن اللحظة اللي بيبقى فيها الأمل نفسه حاجة تكسف، بعد ما خذلك ميت مرة.
خسرت أول حمل وأنا في الأسبوع التاسع. والتاني وأنا في الشهر التالت.
في المرة الثانية، إيهاب خدني في حضنه وأنا واقعة على أرضية الحمام، وبترعش لدرجة إن سناني كانت بتخبط في بعض. للأمانة، هو مهربش من الحزن ده وقتها.. فضل قاعد جنبي، كلم الدكتورة، ألغى كل مواعيد شغله، وسابني أغرق قميصه بدموعي.
بس إيهاب كان له طبع غريب.. بيبقى حاضر وموجود بكل مشاعره في الخبطات الكبيرة واللحظات الدرامية، لكنه بيختفي ويرجع لنفسه لما اللحظة تكون محتاجة صبر وتضحية يومية مملة. الحزن بالنسبة له كان عاصفة يقدر يقف فيها بشجاعة.. لكن الخنقة والروتين اليومي كان أصعب عليه بكتير.
بعد سبع سنين جواز، ومرتين إجهاض، وتلات دكاترة كبار، وجولة حقن مجهري
في صباح يوم خميس في أغسطس 2023، عملت اختبار حمل قبل ما أنزل الشغل. شرطتين.. إيجابي. عملت واحد تاني.. إيجابي. قعدت على الأرض والاتنين في إيدي، وهمست من كل قلبي يا رب.. المرة دي يكمل على خير.
لما طلعت أقول لإيهاب، كان في المطبخ بيعمل قهوة وبيرد على إيميلات الشغل.
حطيت الاختبارين قدامه على الرخامة. بص لهم وهو متنح.. وبعدين غطى وشه بإيديه الاتنين وقعد يعيط..
الراجل الكبير الواثق ده، اللي بيمضي عقود بملايين من غير ما يتهز له جفن، انحنى على رخامة المطبخ وقعد يعيط زي العيال. لفيت دراعي حواليه، ولأول مرة من سنين، سمحت لنفسي أصدق إننا خلاص بقينا في أمان.
سميناها حبيبة قبل حتى ما نعرف إنها بنت. لأن الاسم ده هو اللي كان بيوصف حالتنا وقتها.. إنها حبيبة قلوبنا اللي استنيناها العمر كله. على شهر يناير، كنت في الخامس، وبدأت أخيراً أصدق إن فيه طفل بجد هييجي في نهاية كابوس الخوف ده. وقتها إيهاب فتح موضوع الحفلة.
كنا على السرير، حاطة مخدة تحت بطني، ورجلي كانت وارمة، وفاتحة اللابتوب بشوف عربيات أطفال Strollers كأنها متصممة في وكالة ناسا من كتر تفاصيلها. قال لي بحذر
بقولك إيه.. كنت بفكر في عيد ميلادي الأربعين. بصيت له عيد ميلادك؟ صحح لي الكلمة كأنه بيتكلم عن إنجاز قومي الأربعين يا هنا.. دي مرحلة تانية خالص في حياة الراجل. قلت له أكيد. قال لي أنا مش عايز مجرد عشا.. أنا عايز أحتفل بجد. حفلة تليق بالاسم والمكانة. صحاب، عيلة، عملاء مهمين.. مش مجرد حفلة، ده حدث مهم في حياتي.
قفلت اللابتوب وبصيت له إيهاب.. ميعاد ولادتي
رد بسرعة كأنه كان محضر
الرد وعيد ميلادي 12 أبريل.. أنا عارف. بس البكرية دايماً بتأخر، مش كدة؟ حتى الدكتورة قالت كدة. قلت له قالت ممكن تتأخر. قال لي بالظبط.. ولو حصل أي تغيير، هنعدل كل حاجة. باس كتفي وكمل أنا مش طالب منك تشيلي هم ولا تخططي لحاجة.. أنا هجيب شركة تنظم كل حاجة. أنتِ بس هتيجي تقعدي زي الملكة بجمالك ده وأنتِ حامل.
كنت عايزة أفرح له.. بجد كنت عايزة. إيهاب كان بيحلم بتمة الأربعين دي زي ما الناس بتحلم بيوم المعاش. هو طلع من عيلة فقيرة جداً لدرجة إنهم كانوا بيعدوا لقمة العيش، ودلوقتي عايز قاعة، ومزيكا، وفيديو بيعرض قصة نجاحه.. عايز يثبت لنفسه وللعالم إنه وصل. قلت له ماشي. وده كان أول غلطة غلطتها.
الغلطة التانية كانت إني افتكرت إن موافقتي دي معناها نفس اللي هو فاهمه. على شهر فبراير، ال حفلة اتحولت ل مهرجان. جاب شركة تنظيم حفلات، والبنت اللي بتنظم بقت تتكلم بمصطلحات غريبة زي الرؤية البصرية ولحظة الإرث. قائمة المعازيم زادت من 75 ل 150، وبعدين وصلت ل 200 شخص!
والمكان اتغير من قاعة صغيرة في مطعم، ل جراند بالروم في فندق 5 نجوم في وسط البلد. بقى فيه فرقة مزيكا، ودي جي، وبوفيه مفتوح، ومصورين فوتوغرافيا وفيديو، وتورتة عملاقة متصممة مخصوص، وفيلم تسجيلي مجمعين فيه كلمات من صحابه وشركاه في الشغل.
إيهاب غرق في التفاصيل لدرجة إنه نسي إن الحدث الأهم بجد مش في القاعة.. الحدث الأهم كان بيتحرك جوه بطني.
في الوقت ده، وأنا في الشهر السابع، كنت قاعدة بحاول أركب سرير البيبي، وإيهاب واقف في الطرقة مابيسيبش التليفون من على ودنه. ناديت عليه ممكن تمسك معايا الخشبة
السرير ده فيه 38 قطعة ومحتاجة حد يسند معايا. عمل لي حركه بوقه بمعنى معلش واختفى تاني في الطرقة. قعدت متربعة على السجادة وبطني ضاغطة على رجلي، وقعدت أربط في المسامير لحد ما صوابعي وجعتني.
ليلتها كلمت أختي رشا. قلت لها ده بيخطط للحفلة كأنه بيترشح لانتخابات مجلس الشعب! رشا سكتت شوية وقالت قلتي له إنك خايفة؟ آه. قلتي له بجد وبوضوح، ولا كنتِ بتهزري عشان ميحسش إنه مقصر؟ كنت بكره إن الأخوات بيعرفوا اللي جوانا من غير ما نتكلم. قلت لها يمكن كنت بهزر شوية.
يا هنا، قولي له تاني، ومن غير ما تخبي الحقيقة عشان تحميه.
وعملت كدة فعلاً. تاني يوم بعد العشا، وقفت معاه في المطبخ وهو بيغسل الأطباق. قلت له محتاجة إنك تسمعني بجد. قفل الحنفية فوراً وبص لي سامعك. الحفلة يوم 12 أبريل. وميعاد ولادتي 9 أبريل. الفرق بينهم تلات أيام يا إيهاب. قال لي عارف. لأ، أنا عايزاك تحس بالرقم ده بجد مش مجرد تاريخ في الأجندة. لو جالي الطلق في الويك إند ده، أنا عايزاك معايا. مش بعد الكلمة اللي هتقولها، ولا بعد العشا، ولا بعد التورتة.. عايزاك معايا من أول لحظة. ملامحه هديت، وقرب مسك إيدي يا هنا، أنا مستحيل أختار حفلة وأسيبك. يبقى أجلها.
أخد نفس طويل وقال يا حبيبتي.. أدينا بدأنا.. لأ اسمعيني.. العربونات اتدفعت، والناس حاجزة طيران وجاية من السفر، وأمي عزمت طوب الأرض. مش هينفع نلغي كل ده عشان احتمال. سحبت إيدي منه احتمال؟ ولادة بنتك بقت احتمال؟ قال لي مش قصدي كدة.. أنا قصدي لو الولادة بدأت، هسيب كل حاجة
متابعة القراءة