قصة جديدة

لمحة نيوز

نزل، لقاني قاعدة على ترابيزة المطبخ. فهم فوراً من نظرة عيني. سألني فيه إيه؟ 
أنا خلاص يا إيهاب.. مش قادرة أكمل. اتسمر مكانه إيه؟ أنا نهيت الحكاية دي خلاص. سحب كرسي بس مقعدش نهيتي إيه بالظبط؟ جوازنا.
ملامحه اتكسرت هنا.. متهزريش. أنا مش بقول كدة وأنا غضبانة. لا أنتِ غضبانة، وليكِ حق تغضبي. أنا فعلاً غضبانة.. بس مش ده السبب اللي مخليني أمشي. أومال إيه؟
بصيت لجهاز مراقبة البيبي، وصوت نَفَس حبيبة الهادي طالع منه. عشان مش عايزة بنتنا تكبر وهي شايفاني بترجى راجل إنه يختارنا.
قعد على الكرسي كأنه جبل وانهد بس أنا بحاول.. والله بحاول. عارفة. أنا اتغيرت. أنت تحسنت.. لكن ماتغيرتش. ده مش عدل يا هنا. رديت بهدوء فعلاً.. مفيش حاجة من
اللي حصلت كانت عدل.
حط إيديه الاتنين على الترابيزة كأنه بيحاول يثبت العالم اللي بيقع من حواليه. همس عشان ليلة؟ هتهدي بيتنا وجوازنا عشان ليلة واحدة؟ صعب عليا وقتها، لأنه بجد كان مصدق إنها مجرد ليلة. قلت له لأ.. هنهي الجواز ده لأن الليلة دي قالت الحقيقة المرة عن كل الليالي اللي قبلها واللي بعدها.
عيط.. وأنا كمان عيطت. بس دموعي كانت أهدى بكتير من دموع المستشفى. كانت
دموع حد استوى وفهم. قال لي أنا بحبك. عارفة. وده مش كفاية؟ كان كفاية لسنوات طويلة.. دلوقتي حبيبة أهم.
الطلاق مكنش سهل، بس مكنش حرب. إيهاب حارب في الأول، وبعدين بدأ يفاوض، وبعدين ببطء ووجع، فهم إن الاعتذار مش كوبري لازم أعدي عليه لمجرد إنه بناه.
إحنا دلوقتي منفصلين وبنتشارك في تربية بنتنا. هو أب ممتاز في حاجات كتير، ومش هكدب وأطلعه شرير. حبيبة وشها بينور أول ما يدخل الأوضة. بيقعد معاها على الأرض، ويقرأ لها نفس القصة تمن مرات من غير ما يزهق. وحاطط صورتها في برواز كبير على مكتبه في الشركة، الصورة اللي في عيد ميلادها الأول وهي مغرقة وشها كريمة ومكشرة.
بس كل سنة يوم 12 أبريل، بفتكر ولادتين. ولادته هو من جديد كراجل ناجح الكل بيصقف له. وولادتي أنا كست بطلت تختفي وتدوب جوه نجاحه واحتفالاته.
الناس بتسألني ندمانة إنك اتجوزتيه؟ بقولهم مش عارفة. والإجابة دي دايماً بتصدمهم.
لكن إزاي أندم على الطريق اللي جاب لي حبيبة؟ هي دلوقتي عندها سنتين، شعرها دايماً منكوش ومسيطرة، مهووسة بالفراولة وعربيات المطافي. بتنادي أي كلب تشوفه في الشارع ب يا فندم. بتصقف لأي طيارة معدية في السما. هي فيها دقن إيهاب، وعينيّ
أنا، وضحكة تخلي أي حد غريب يبتسم لها وهو ماشي في السوبر ماركت.
أنا مش ندمانة على جوازي.. 
أنا ندمانة إني تجاهلت نفسي. ندمانة على كل مرة كان جسمي بيقولي فيه حاجة غلط، وكنت برد عليه وأقول بس هو بيحبني.
الحب مهم.. مفيش كلام. بس الحب مش هو الحضور. الحقيقة بتبان في الطريقة اللي الشخص بيتعامل بيها مع الخنقة والمسؤولية، مش في الطريقة اللي بيتعامل بيها والأنوار قايدة والناس بتصقف. الحقيقة مش في الوعود السهلة، الحقيقة في اللي بيعملوه لما وجعك يقطع عليهم صوت التصفيق.
إيهاب اختار القاعة.. اختار الفيلم التسجيلي.. اختار السهرة، والرقصة، والساعة الزيادة. وأنا أخيراً اخترت إني مأعلمش بنتي إن الست لازم ترضى ب الفواضل.
في عيد ميلاد حبيبة التاني، أختي رشا جت ومعاها كب كيك. وأمي جابت بالونات. وإيهاب وصل في ميعاده بالظبط، شايل شنطة هدايا ووشه عليه نظرة حذر، نظرة راجل فهم أخيراً إن الساعة قيمتها بتختلف حسب مين اللي مستنيك.
وقفنا لحظة مع بعض في الصالة وحبيبة عمالة تقطع في ورق الهدايا. إيهاب بص لي وقال بهدوء أنا بفكر في الليلة دي كل يوم يا هنا. صدقته. قلت له وأنا كمان. قال لي أتمنى لو أقدر أرجع بالزمن.
رديت بابتسامة هادية عارفة.
حبيبة صرخت وقتها وهي رافعة بطة صفراء
كأنها لقت كنز ماما! بصي! نزلت على ركبي جنبها وقلت لها يا خبر! دي خطيرة جداً! إيهاب ضحك بهدوء، ولأول مرة، ضحكته مأوجعتش قلبي. وقتها عرفت إني خفيت.. مش لأني بكرهه.. لأني مابقتش محتاجة أكرهه أصلاً عشان أعيش.
اسمي هنا،. بنتي اسمها حبيبة. اخترت الاسم ده وأنا لسه فاكرة إن عيلتنا هتفضل بشكل معين، وفضلت متمسكة بيه بعد ما كل حاجة اتغيرت، لأن الحب بجد مش إننا نمثل إن الوجع مش موجود.
الحب هو اللي بيخليكي تقولي الحقيقة من غير ما تبقي قاسية. هو اللي بيخليكي تمشي من غير ما تحرقي البيت وراكي. هو اللي بيخلي بنتك تكبر في بيت مفيش فيه حد محتاج يصرخ عشان يختاروه.
ولو فيه أي جزء من الحكاية دي مر عليكي قبل كدة، لو كنتِ نايمة جنب حد بيحب صوت التصفيق أكتر من صوت خوفك.. أرجوكي اسمعيني.
أوضة المستشفى مش هي النهاية.. ساعات بتبقى أول مكان بتشوفي فيه الحقيقة بوضوح. ساعات الشخص اللي مابيدخلش من الباب، بيعلمك إنك تقدري تعيشي وتنجي حتى لو هو مش موجود. ساعات الورد بيوصل متأخر أوي.. 
وساعات، والحمد لله، بتوقفي أخيراً عن إنك تقبليه.
بقلم الكاتبة
نرمين عادل همام
النهاية

تم نسخ الرابط