قصة جديدة
المحتويات
التحول اللي حصل جوايا مكنش فيه صريخ ولا خناق، كان هدوء مرعب.. زي قفل اتقفل ومستحيل يتفتح تاني.
لما دخل أخيراً بعد الظهر وهو شايل الورد، كان شكله أصغر بكتير مما كنت فاكرة. مش جسدياً، إيهاب لسه زي ما هو.. طويل ووسيم وساعته الغالية في إيده. بس هيبته وقعت من نظري تماماً، لأن نظرتي الأمل اللي كنت بشوفه بيها ماتت.
وقف جنب الباب. رشا كانت بتطبق لبس البيبي وبصت له بصه تخلي الدم يتجمد في العروق. قالت ببرود هقوم أجيب قهوة. بدأ يتكلم رشا..
قاطعته ولا كلمة.. أنت متسمعش صوتي النهاردة خالص. وخرجت.
إيهاب بلع ريقه وبص لي.. وبعدين شاف حبيبة. ملامحه اتغيرت، مش هكدب وأقول إنه متأثرش. الحب، والذهول، والندم.. كله بان في عينيه. همس زي القمر.. قلت له فعلاً. قرب أكتر ممكن أشيلها؟ بصيت لحبيبة وهي نايمة وحاطة إيدها تحت دقنها، وقلت له بكلمة واحدة لأ.
جسمه اتهز هنا.. فاتك الوقت يا إيهاب. عينيه دمعت أنا عارف.. لأ أنت مش عارف. أنت عارف حقيقة اللي حصل، بس متعرفش أنت خسرت إيه جوايا.
قعد على الكرسي جنب السرير والورد لسه في إيده كأنه نسيه. قال لي أنا آسف.. الوقت سرقني، ولما رشا بعتت الصورة قلت أكيد أنتِ تعبانة ومحتاجة ترتاحي، وقلت أحسن أجيلك الصبح وأنتِ فايقة. بس أنت مجتش الصبح. غمض عينيه وسكت. قلت له صحيت وأنت مصدع من السهر والشرب.. صح؟
السكوت كان هو الرد. قال وهو باصص للأرض يا هنا.. أنا كاره نفسي دلوقتي. رديت عليه بكل قوة وده أحسن حاجة حصلت.. عشان ده معناه إن فيه حتة جواك لسه فاهمة الجريمة اللي أنت عملتها في حقنا.
الدموع نزلت على وشه زي الشلال أنا خذلتك يا هنا.. خذلتك
لأول مرة من ساعة ما دخل الأوضة، حسيت بحاجة تانية غير الغضب.. مكنش سماحة، ولا كان قلبي حنّ، كان نوع من الرثاء على الراجل اللي كنت أتمنى إنه يكونه وضاع للأبد. قلت له أنت مش هتعرف تصلح إنك مكنتش موجود وهي بتشرف الدنيا.. اللحظة دي عدت، وبتحصل مرة واحدة في العمر، وأنت اخترت متكونش فيها. مال بضهره لقدام، وحط راسه بين ركبه وغطى وشه بإيديه أنا آسف.. والله العظيم آسف.
صدقته.. وده كان المهم. إيهاب مكنش بيمثل، كان ندمان بجد، زي الندم اللي بيحس بيه الواحد لما يفوق من سكرته ويلاقي نفسه وسط حطام بيت هده بإيده.. بس الندم
والتغيير مش توأم، ساعات الندم بيبقى مجرد وجع بيدور على مسكن.
رجعنا البيت بعد يومين. ولمدة أسبوع، إيهاب بقى هو الزوج اللي كل الناس كانت بتقولي يا بختك بيه. كان بيغير البامبرز، ويطبخ، ويرد على إيميلاته وهو شايل حبيبة على صدره. كان بيعتذر كل يوم الصبح وبالليل.. حتى قدام الناس كان بيقول الحقيقة.
في مرة والدته ليلى كانت بتدلع حبيبة وبتقول معلش يا ابني، أنت كان وراك مسؤولية وحفلة كبيرة.. إيهاب قاطعها بجمود لأ يا أمي.. أنا اللي خدت القرار الغلط. شوفت الموقف ده، وحسيت بوميض أمل خطر بدأ يلمع جوايا.. قلت يمكن اتغير بجد؟
لحد ما جت ليلة الخميس.. حبيبة كان عندها 4 أيام. كنت نايمة يادوب 11 ساعة من يوم ما ولدت!
جسمي كله كان مكسر وأوجاع في حتت مكنتش أعرف إنها موجودة. كنت واقفة في المطبخ الساعة 218 بالليل، بحاول أعمل ببرونة بإيد واحدة وحبيبة بتصرخ على كتفي.
فجأة لقيت إيهاب نازل
فضلت متنحة له.. فرك عينيه بتعب وقال ساعة واحدة وهجيلك فوراً. قلت له أنت قلت إنك هتشيل معايا ورديات الليل الأسبوع ده. أنا عارف.. بس الموضوع ده مختلف، ده عميل مهم جداً والشغل ممكن يروح مننا.
ضحكت وقتها.. مش عشان فيه حاجة تضحك، ضحكت من الصدمة. هو دايماً فيه حاجة مختلفة يا إيهاب.. صح؟ يا هنا.. ده شغل وبملايين! بصيت له بكل وجعي وقلت له الكلمة اللي وجعته في كرامته أنا بنزف في حفاضات كبار يا إيهاب من أثر ولادة بنتك اللي أنت محلمتش تشيل وجعها.. وأنت بتفكر في عميل؟
وشه بقى أبيض زي الورقة..
أنا عارف. لأ، أنت مش عارف.. أنت بس عارف الحقائق، للمرة المليون. حبيبة صرخت أقوى. هزيتها براحة، وكنت حاسة إن جفوني بتقفل من كتر التعب. قرب مني ممكن أكلم محمود تاني.. بس مش هتعمل كدة. بص للأرض وسكت.
وهي دي كانت اللحظة. لا هي قسوة، ولا كراهية.. كانت حاجة عادية جداً بس بتدمر أي بيت الأولويات. وسابني ونزل.
وقفت في المطبخ وبنتي في حضني، وفهمت في لحظة واحدة حكاية جوازنا كله. إيهاب كان بيحبني.. أنا متأكدة من ده. وكان بيحب حبيبة.. متأكدة برضه. بس حياته ليها مركز واحد، والمركز ده هو نفسه. كل حاجة تانية بتدور حواليه، ساعات بتبقى قريبة منه وساعات بتبعد، بس بتفضل تدور في فلكه هو.
حاولنا نروح ل استشاري علاقات أسرية. الأول روحنا لشيخ المسجد اللي في منطقتنا، لأن والدته ليلى صممت إن البيوت مابتتهدش
بعدها روحت لدكتورة نفسية متخصصة. سابت إيهاب يتكلم 20 دقيقة كاملة. وبعدين بصت له وقالت كلمة واحدة أنت طول الوقت بتوصف اللي كنت ناوي تعمله.. ومراتك بتوصف اللي أنت اخترت تعمله فعلاً. إيهاب سكت تماماً. أنا كنت عايزة أقوم أصقف لها.
لشهور طويلة، حاول بجد. حط تنبيهات على موبايله لمواعيدنا. خصص وقت للعيلة وقفل فيه تليفونه. بقى يرجع البيت بدري. عرف مواعيد نوم حبيبة، وأغنيتها المفضلة، وإزاي يهزها عشان ترتاح من المغص. بس كل تحسن كان باين إنه بيعمله بمجهود واعي، كأنه بيذاكر مادة صعبة.. وأي أزمة كانت بتحصل، كانت بتبين إن الأساس القديم لسه زي ما هو.
عميل كلمه وهو بياكل، رد عليه. والدته احتاجته في حفلة خيرية، سابنا وراح. محمود حدد اجتماع في نفس ميعاد تطعيم حبيبة الست شهور، إيهاب قالي ممكن نأجل الميعاد؟
مفيش حاجة في الدنيا غير مغتفرة زي لحظة الولادة. هي دي المشكلة. الناس فاكرة إن البيوت بتتهد بإنفجار كبير، بس الحقيقة إن الإنفجار بيبين لك الشرروخ، وبعدها عينك مابتشوفش غير الشروخ دي في كل حتة.
في ليلة في شهر نوفمبر، شوفت فيديو الحفلة تاني بالصدفة. واحد صاحبه كان منزل ذكرى Memories على فيسبوك وكاتب أحلى ليلة في العمر. وشوفته وهو بيرقص تحت الأضواء الزرقاء في القاعة، في نفس اللحظة اللي بنتي كانت بتشرف فيها الدنيا وهو مش معاها. حبيبة كانت نايمة في سريرها. البيت هادي. إيهاب في الحمام. شوفت الفيديو تلات مرات. مش عشان أعذب نفسي.
لما إيهاب
متابعة القراءة