قصة جديدة
رجعت بلدنا علشان أحضر جنازة أبويا، وحاولت أفتح باب البيت بالمفتاح القديم... لكن المفتاح ما بقاش يشتغل.
وفجأة الباب اتفتح.
ولقيت مرات أبويا واقفة قدامي.
كانت لابسة أسود شيك، والمكياج على وشها ثابت كأنها خارجة من مناسبة مش من جنازة.
بصتلي وضحكت ضحكة مستفزة وقالت
إيه يا إسراء؟ بجد كنتِ فاكرة إن المفتاح ده لسه هيفتح؟
بصيت جوا البيت من وراها.
جاكيت أبويا اللي كان دايمًا معلق جنب الباب اختفى.
الصورة القديمة بتاعة أمي اللي كانت مالية المكان اتشالت.
وكل حاجة حسّستني إن البيت اللي اتربيت فيه بقى غريب عني.
قلت وأنا بحاول أتمالك نفسي
لازم أدخل. حاجتي لسه هنا... وأوراق أبويا كمان.
ردت ببرود
أوضته مقفولة.
قلت بغصة
أبويا لسه ميت النهارده.
ابتسامتها وسعت أكتر.
وقالت بمنتهى الشماتة
أيوة... مات. والبيت ده بقى بيتي أنا.
الكلمات نزلت عليّا أقسى من أي عزا سمعته طول اليوم.
مسكت شنطتي بقوة وقلت
أنا مش جاية أعمل مشكلة. عايزة أوراق أبويا، وصور العيلة، وعلبة دهب أمي... دي حاجتها.
هزت كتفها بسخرية وقالت
الغريب إن أبوكي عمره ما قال إنه سايبلك أي حاجة.
قلت بعصبية
الكلام ده مش حقيقي.
ردت بصوت كله تصنع
يا حبيبتي... إنتِ اللي سيبتي البلد وسافرتي تعملي حياتك في القاهرة.
خدت خطوة لقدام وقلت بحزم
ابعدي من طريقي.
في اللحظة دي لمحت راجل واقف عند العربية.
الأستاذ حسام.
محامي أبويا.
كان واقف بعيد ومش قادر يبص في عيني.
قلبي اتقبض.
حسيت إن فيه حاجة مستخبية.
قربت مني مرات أبويا وهمست
أبوكي غيّر الوصية من ست شهور.
وقبل ما أستوعب كلامها...
قفلت الباب في وشي بعنف.
وقفت على السلم وأنا مصدومة.
أبويا اتدفن من ساعات قليلة...
وبيته اللي كان دايمًا بيقولي
طول ما البيت ده واقف، هتفضلي ليكي مكان ترجعي له
بقى فجأة مقفول في وشي.
لكن اللي ماكنتش أعرفه وقتها...
إن السر الحقيقي ماكانش جوه البيت.
السر كان في الوصية الجديدة...
والحقيقة اللي هتظهر بعدها كانت كفيلة تقلب حياة مرات أبويا كلها رأسًا على عقب.
وقفت على السلم لدقائق مش عارفة أتحرك، وكأن رجليّ اتشبكت في الأرض. صوت قفل الباب وهو بيتقفل بعنف كان بيدوي في وداني، وكأنه بيقول لي إن كل حاجة اتغيرت للأبد. المكان اللي كنت بشوفه ملجأي، اللي كبرت فيه وسمعت فيه ضحكة أبويا ودفء أمي، بقى فجأة حاجة غريبة ومقفولة في وشي.
مسحت دموعي اللي نزلت غصب عني بكف إيدي، وحاولت أجمع
رفعت عينيّ لقيت الأستاذ حسام لسه واقف عند عربيته، ووجهه متغير ومش عارف يعمل إيه. شافني بصيت له، فأدار وجهه شوية، بس كان واضح عليه الارتباك. قررت أروح له، أكيد هو اللي يعرف الحقيقة، أو على الأقل يفهمني إيه اللي حصل.
مشيت ناحيته خطوات بطيئة، وكل خطوة كانت بتثقل عليّ زي ما تكون أحمال الدنيا كلها على كتافي. لما وصلت قدامه، رفع عينيه بصعوبة وقال بصوت واطي
إسراء... أنا آسف بجد.
قلت له وأنا بحاول أمنع صوتي ما يرتجف
آسف على إيه يا أستاذ حسام؟ هي قالت إن أبويا غير الوصية من ست شهور... ده صحيح؟ وإزاي يحصل كده؟ أنا بنته الوحيدة!
تنهد بعمق، ونظر حوله كأنه خايف حد يسمعنا، وقال
تعالى نروح نركب العربية شوية، مش هينفع نتكلم هنا.
ركبنا العربية، وقفل الباب، وبعدين التفت لي وقال
الكلام ده مش سهل أتكلم فيه، بس الحقيقة إن فعلاً فيه وصية جديدة تم تسجيلها رسميًا من ست شهور تقريبًا.
صدمت أكتر، وقلت
بس
هز رأسه وقال
ده بالظبط اللي أنا كنت مستغربه. أنا المحامي الخاص بوالدك من أكتر من عشرين سنة، وعارف طباعه وعاداته. هو عمره ما كان بيتسرع في قرار، خصوصًا القرارات الكبيرة دي. ولما طلب مني أحضر عشان أسجل وصية جديدة، أنا استغربت، بس قلت يمكن عنده سبب خاص.
سألته بلهفة
وإيه مكتوب في الوصية الجديدة؟
رد ببطء
مكتوب فيها إنه يتنازل عن كل ما يملك من بيت وأرض ومبالغ مالية لزوجته السيدة سميحة، ويعطيها الحق الكامل في التصرف في كل شيء.
حسيت إن الدنيا بتلف بيا، وقلت
ده مش معقول! أبويا ما كانش ممكن يعمل كده. كان دائمًا بيخاف عليّ، وبيقول لي إن البيت ده أمانة من أمي. أكيد فيه غلط، أو إنها ضغطت عليه، أو خدعته بطريقة ما!
قال الأستاذ حسام بجدية
أنا كمان شكيت في الموضوع من أول يوم. لما جيت أسجل الوصية، لاحظت إن صوت والدك كان ضعيف شوية، وعينيه مش مركزة كويس، وكان بيبص لسميحة كتير. أنا سألته وقتها هل أنت متأكد من كل كلمة مكتوبة هنا؟ ورد عليّ بس بصوت واطي أيوة، ده ما أريده. بس كان واضح عليه التردد.
قلت بعصبية
يعني ممكن تكون أجبرته؟ أو إنها
أجاب
ده