قصة جديدة

لمحة نيوز


فلاشة معدنية.
حجمها كان صغير جدًا.
لكن شكله كان متوتر بشكل عمري ما شفته عليه.
ناولني الفلاشة وقال
لو حصلي حاجة... متفتحهاش غير لما تخرج من هنا.
بصيت للفلاشة.
وبعدين بصيت له.
وقبل ما أسأله أي حاجة...
انطفأ المصباح الصغير فجأة.
غرقنا في الظلام من جديد.
وفي نفس اللحظة سمعنا صوت الباب الخارجي وهو بيتكسر.
الناس اللي بره دخلوا.
الممر كله اتملى بأصوات أقدام.
وأضواء كشافات.
عمر مسكني من كتفي وهمس
في مخرج تاني.
بدأنا نجري وسط ممر ضيق جدًا.
كنت سامع الأصوات بتقرب ورا ضهرنا.
كل ثانية كانت بتفرق.
وصلنا لنهاية الممر.
كان فيه باب خشبي قديم.
عمر فتحه بسرعة ودفعني للخارج.
خرجت لسطح المبنى.
الهواء البارد ضرب وشي بقوة.
لكن المفاجأة إن السطح كان مسدود.
مفيش مكان نهرب منه.
بصيت لعمر.
لقيته مش متفاجئ.
كأنه كان متوقع ده.
قال
في حاجة لازم تعرفها قبل ما يوصلوا.
قلت بعصبية
اتكلم!
سكت لحظة.
وبعدين قال الجملة اللي قلبت كل حاجة من جديد
مراتك ما ماتتش يوم الحادث.
حسيت إن الدنيا لفت بيا.
إيه؟!
قال
الحادث حصل فعلًا... لكن الجثة اللي اتدفنت ما كانتش جثتها.
رجعت خطوة لورا وأنا مش مستوعب.
أنا حضرت الدفن.
أنا وقفت عند القبر.
أنا عشت سنة كاملة وأنا فاكر إنها ماتت.
إزاي؟
إزاي ده كله يكون كذب؟
وقبل ما أسمع باقي الكلام...
طلع ضوء قوي من خلفنا.
التفتنا.
لقينا عشرات الكشافات متوجهة علينا.
وأشخاص لابسين أسود واقفين عند باب السطح.
وفي منتصفهم بالضبط...
كان واقف الرجل الموجود في الصور القديمة.
نفس الرجل.
بنفس النظرة الباردة.
ابتسم وهو بيبصلي مباشرة.
وقال
أخيرًا قابلنا بعض.
ثم أشار ناحيتي بإصبعه وأكمل
زي أمك بالضبط...
في اللحظة دي اختفى كل صوت حواليا.
لأن عمري كله...
عمري كله كنت متربي على إن أمي ماتت وأنا طفل صغير.
فإزاي الراجل ده يعرفها؟في ثانية واحدة اتحول المكان كله لسواد.
لا شايف عمر.
ولا شايف الباب.
ولا حتى شايف إيدي قدامي.
كل اللي كنت سامعه هو صوت أنفاسي السريعة ودقات قلبي.
صرخت بصوت منخفض
عمر؟

!
جالي صوته من مكان قريب
اوطى بسرعة!
وفي نفس اللحظة سمعت صوت خطوات كتير بتجري في الممرات.
مش شخص واحد...
أكتر من شخص.
وكأنهم كانوا مستنيين اللحظة دي.
نزلت على الأرض بسرعة، وبعدها حسيت بعمر بيمسكني من دراعي ويشدني وراه.
كنا ماشيين وسط الظلام وهو حافظ الطريق بشكل غريب.
لفينا يمين.
وبعدين شمال.
وبعدين نزلنا سلم ضيق جدًا.
لحد ما وصلنا لغرفة صغيرة تحت الأرض.
أول ما دخلنا قفل الباب وولع مصباح صغير.
بصيت له وأنا مش مصدق اللي شايفه.
نفس الملامح.
نفس الصوت.
نفس كل حاجة.
قلت وأنا مذهول
إنت... إنت عايش إزاي؟!
ابتسم ابتسامة باهتة وقال
ده أول سؤال كل الناس بتسأله.
قرب مني وحط ملف قديم على الترابيزة.
وقال
بس الحقيقة دلوقتي أهم من إجابتي.
فتح الملف.
وأول صورة ظهرت قدامي خلت الدم ينشف في عروقي.
كانت صورة لمراتي.
لكن مش الصورة هي اللي صدمتني.
الصدمة كانت في التاريخ المكتوب عليها.
الصورة اتصورت قبل ما أعرفها بثلاث سنين كاملة.
وكانت واقفة جنب عمر.
وجنب شخص تالت أنا معرفوش.
بصيت لعمر بعدم فهم.
قال بهدوء
مراتك ما دخلتش حياتك بالصدفة.
الكلمات نزلت عليا كالصاعقة.
حاولت أتكلم لكن لساني انعقد.
كمل وهو بيقلب باقي الصور
هي كانت بتدور على حاجة من سنين طويلة... حاجة مرتبطة بالشخص التالت ده.
وأشار للرجل المجهول.
كان راجل في الخمسينات تقريبًا.
وشه هادي جدًا.
لكن عينيه كان فيهم حاجة مخيفة.
قلت
مين ده؟
سكت عمر ثواني.
وبعدين قال
الراجل ده هو السبب في كل حاجة حصلت.
وقبل ما يكمل...
سمعنا صوت خبط قوي جدًا على باب الغرفة.
مرة.
واتنين.
وتلاتة.
لدرجة إن التراب وقع من السقف.
اتجمدنا إحنا الاتنين.
وبعدين سمعنا صوت جاي من بره الباب
عارفين إنكم جوه...
الصوت كان هادي.
هادئ زيادة عن اللزوم.
ثم أكمل
وسلّموا الملف... قبل ما يحصل اللي مش هتحبوه.
بصيت لعمر.
لقيت لونه اتغير فجأة لأول مرة.
همس بصوت منخفض
لا...
قلت
في إيه؟
بلع ريقه بصعوبة وقال
ده مش أي حد...
ده الشخص اللي كانت مراتك بتجري وراه طول السنين اللي
فاتت.
وفي اللحظة دي...
وصلت رسالة جديدة على موبايل مراتي المتوفية.
موبايل مقفول ومفيش فيه شريحة أصلاً.
لكن الرسالة ظهرت قدامي بوضوح.
والمفاجأة إنها كانت متبعتة في نفس اللحظة.
فتحتها بسرعة.
وكان مكتوب فيها سطر واحد فقط
لو وصلت للغرفة السرية... متصدقش عمر مهما قالك اتسعت عيون عمر وهو بيبص للبقعة الحمراء اللي بدأت تكبر على صدره.
رجع خطوة لورا.
وبعدين خطوة كمان.
كأنه مش مستوعب اللي حصل.
أما أنا فكنت واقف بين صدمتين.
مراتي ظهرت قدامي حية بعد سنة كاملة من دفنها.
وعمر اللي كنت فاكره ميت من خمس سنين بيتضرب بالنار قدامي.
كل حاجة حواليا بقت غير منطقية.
وفجأة وقع عمر على ركبته.
لكن قبل ما يقع بالكامل، رفع عينه ناحيتي.
وكان واضح إنه عايز يقول حاجة.
جريت عليه.
مسكت كتفه.
قلت
مين ضربك؟!
عمر بصعوبة مد إيده ناحية الرجل الغامض.
لكن قبل ما ينطق...
ابتسم الرجل.
ابتسامة باردة جدًا.
وقال
لو كنت سمعته من البداية... كان زمانك عرفت الحقيقة.
في اللحظة دي دوّى صوت مراتي من الموبايل
لا تصدقه!
بصيت للشاشة بسرعة.
لقيتها بتبكي.
ولأول مرة شفت الخوف الحقيقي في عينيها.
قالت
هو عايزك توصل للحاجة بنفسك... لأنه عارف إنك لما تعرفها هتنهار.
الرجل ضحك بهدوء.
وقال
بل بالعكس.
ثم التفت ناحيتي وأكمل
أنا الوحيد اللي مستعد يقولك الحقيقة كاملة.
في نفس اللحظة مد إيده لأحد رجاله.
الراجل سلّمه ملفًا أسود سميكًا.
ورماه عند قدمي.
نزلت التقطه وأنا متردد.
كان عليه اسمي بالكامل.
اسمي أنا.
فتحت أول صفحة.
لقيت شهادة ميلاد.
لكنها ما كانتش شهادتي اللي أعرفها.
نفس اسمي.
نفس تاريخ ميلادي.
لكن خانة الأب كانت مختلفة.
وقفت مذهول.
قلبت الصفحة الثانية.
ثم الثالثة.
وكل ورقة كانت بتنسف جزءًا من حياتي.
سجلات قديمة.
صور.
تقارير.
خطابات.
وأخيرًا صورة قديمة جدًا.
صورة لأمي وهي شابة.
واقفة جنب الرجل الغامض.
وجنبها طفل صغير.
الطفل كان أنا.
سقط الملف من يدي.
وبصيت للرجل بعدم تصديق.
فقال بهدوء
دلوقتي بدأت تفهم.
لكن قبل ما يشرح أي
شيء...
وصلت رسالة جديدة على هاتف مراتي.
فتحتها بسرعة.
كانت صورة التقطت منذ دقائق فقط.
صورة للسطح اللي إحنا واقفين عليه.
لكن الغريب...
إن الصورة كانت مأخوذة من زاوية عالية جدًا.
زاوية مستحيل حد موجود على السطح يصورها منها.
رفعت رأسي غريزيًا نحو السماء.
ولأول مرة انتبهت.
كان فيه ضوء أحمر صغير يومض فوقنا.
طائرة مسيّرة.
بتراقبنا.
لكن مش دي الصدمة.
لأن الرسالة اللي جت مع الصورة كانت أخطر
الخطة فشلت.
الهدف عرف نصف الحقيقة.
ابدأوا المرحلة الأخيرة.
وفي اللحظة نفسها...
انطفأت كل الكشافات الموجودة على السطح دفعة واحدة.
وساد ظلام كامل.
ثم سمعنا صوتًا جديدًا.
صوت مروحية يقترب بسرعة من فوق المبنى.
صوت ما كانش موجود قبل ثوانٍ.
وكل الموجودين على السطح، حتى الرجل الغامض نفسه...
رفعوا رؤوسهم للسماء بقلق.
وكأن الشيء القادم أخطر عليهم هم كمان فضلت واقف مكاني كأني اتصدمت بشحنة كهربا.
الكلمة الأخيرة كانت لسه بترن في وداني
زي أمك بالضبط.
بصيت للرجل وأنا بحاول أستوعب.
قلت بصوت متقطع
إنت تعرف أمي منين؟
ابتسم ابتسامة غريبة.
لا هي سخرية.
ولا هي فرحة.
كأنها ابتسامة شخص مستني اللحظة دي من سنين.
وقال
أكتر مما تتخيل.
عمر شدني من دراعي وهمس
متسمعش له.
لكن الراجل رفع إيده بهدوء.
وفجأة كل الناس اللي وراه وقفوا مكانهم.
كأن مجرد إشارة منه كفاية.
وبعدين قال
أمك ما كانتش مجرد ست عادية.
حسيت إن أنفاسي بدأت تضيق.
كل دقيقة كانت بتكشف إن حياتي كلها مبنية على حاجات مش حقيقية.
قال
والدتك اختفت قبل سنين طويلة لأنها وصلت لنفس الحقيقة اللي وصلت لها مراتك.
بصيت ناحية عمر.
لقيته مطرق برأسه.
وسكوته كان مرعب أكتر من أي كلام.
صرخت فيه
إنت كنت عارف؟!
لكن قبل ما يرد...
الرجل أكمل
وكان لازم تختفي.
في اللحظة دي عمر فقد أعصابه لأول مرة.
وصاح
كفاية كذب!
ثم طلع مسدس صغير من تحت الجاكيت.
كل الموجودين اتحركوا في ثانية.
لكن الرجل رفع إيده من جديد.
فتوقفوا.
وكأنه واثق تمامًا إن عمر مش هيضرب.
بصيت بين الاتنين وأنا مش
فاهم مين فيهم الصادق.
ومين اللي بيلعب بيا.
وفجأة...
رن موبايل مراتي مرة تانية.
نفس الموبايل.
نفس الرقم المجهول.
لكن المرة دي مكنش رسالة.
كانت مكالمة فيديو.
كلنا بصينا للشاشة.
أنا...
عمر...
وحتى الرجل الغامض.
لثواني محدش اتحرك.
بعدها ضغطت على زر الرد.
الشاشة اشتغلت.
في البداية كانت
 

تم نسخ الرابط